| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. علي الخالدي

 

 

 

                                                                                الجمعة 4/3/ 2011

 

هل تتعايش الوطنية مع الطائفية

د. علي الخالدي 

إحدى أنجع الوسائل لأدراك الحقيقة , هي المقارنة , التي تغزو ذهن الانسان , وهو غير مستعد لها , وهي تداعي لاشعوري يفرض نفسه على الذاكرة بتكرار , فيولد منشطا لتداعي لا شعوري , ينطبع في الذاكرة , ويضع حوافز للتفكير بما يدور حوله من أحداث , خاصة تلك التي تتعلق بمستقبل الوطن والاجيال القادمة , فعندما توضع الحقائق على طاولة التشريح تتبين الفوارق المخفية ,وغير المدركة في حينه , ويتم التشخيص الصحيح , وبالتالي العلاج المناسب .

فالتغيير الذي حصل في 2003 , كان منشود من عموم الشعب العراقي وقواه الوطنية , يضع في اولياته إقامة نظام سياسي ديقراطي حقيقي بعده , يعادل ثقل المعانات التي لازمت الشعب العراقي وقواه الوطنية منذ انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963. نظام يخلق تركيبة متوازنة لاصطفاف اقتصادي اجتماعي جديد يستند على الهوية الوطنية ويستمد صيغته من خصالها بحيث يتماشى وحاجات الجماهير ويحقق طموحاتها , نظام يجعل المشاكل الموروثة من الانظمة الرجعية والدكتاتورية المتعاقبة , كالفقر والبطالة والامية التي دمرت البنى التحتية لثقافة وتراث الشعب العراقي , وشوهت تركيبته الاجتماعية والاقتصادية بحيث اضحى كغريق يفتش عن منقذ , غير مبالي , من تكون هويته , المهم لديه هو انقاذة من ما هو عليه , أما الانعاش فسيأتي لاحقا على يديه كما صَور له اصحاب امتياز التغيير .إلا أن أدوات الانقاذ ,بعد ترحيل النظام الدكتاتوري السابق , حَصرت كل ما جاء بعد سقوط الصنم في اطار الوسائل التي نظمت توجهاتهم في التعامل مع الاطراف السياسية المتعاونه من جهة ومع عملية التغيير بمحتواها السياسي الوطني من جهة أخرى , وفي خضم هذا التباين في التوجهات , ضاعت معالم طريق السير بمستقبل عراق ديمقراطي , بالرغم من الوعود التي قطعها أصحاب امتياز التغيير من جعل العراق قلعة للديمقراطية والتقدم الاجتماعي في المنطقة , والتي صدقها البعض , بينما تحسس البعض الاخر من مغبة لعب العامل الخارجي الدور الرئيسي في عملية التغيير , لمعرفتها المسبقة من أن أي تغيير يحصل بغير ايدي اصحاب المصلحة سيدوس على القيم والتطلعات الوطنية , وهذا فعلا ما حصل في عهد السيء الذكر بريمر , حيث عرقلت الاحداث المأسوية التي تلت ذلك , إقامة دولة على قاعدة الدين للله والوطن للجميع , فتشكلت نواة دولة تتبنى مصالح قوى سياسية , جعلت من الطائفية اساسا لنهجها , مطبقة المحاصصة , كاسلوب في إدارة الحكم , والتراضي فيما بينها , قاطعتا الطريق أمام إحتمال التعاقب على سلطتها السياسية , وإدارتها من قبل قوى متباينة الايديوليجيات , وكان لدول الجوار دور فاعل في ذلك , لدرجة أن سياسية المحاصصة فرضت تشكيل وزارة (من 43 وزيرا) لم تذكر مثيلا لها كتب التاريخ القديم والمعاصر , من أجل توفير فرص التمثيل السياسي لكتل اصحاب الاستحقاق الانتخابي , ومع هذا فشلت لحد الان من اتمام تركيبتها , وأبعدت من صفوفها قوى وطنية لعبت دورا هاما في مقارعة الدكتاتورية , وقدمت خلال ذلك المئات من الشهداء , لحق بهم عدد من خيرة كوادرها في ما بعد التغيير .

لقد تم السعي ﻹقامة دولة في سياستها خلق كوابح للنهوض الوطني , ونشر ثقافة ومفهوم ربط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية لمنطق الاسلام السياسي وبالتالي الطائفي , وفي ظل ذلك جرى خرق الدستور , وافرغت مواده المتعلقة بالحريات الفردية من محتواها الوطني , بحيث أدى ذلك الى فقدان روحية السلام الوطني , الذي ينشده الشعب , وتلاشت شيئا فشيئا الصيغة العراقية المحلية لفكرة المساوات السياسية وتأسيس شريعة المشاركة الحقيقية في الحكم لكل قوى الشعب الفاعلة على الساحة السياسية , باعتبار ذلك شرط اي حياة سياسية إنسانية مستقرة , مما خلق تناقض بين الوطنية بمعناها الانساني , والطائفية بمعناها المذهبي, فغلبت الطائفية , وتم تنشيطها , على اعتبار أن لها امكانيات تجعلها متعايشة مع الوطنية , أو انها الوجه الاخر للوطنية ,بينما الواقع قال عكس ذلك , حيث غلبت الولاءات , وانتهكت شروط التطور الديمقراطي والاجتماعي والثقافي لعموم الشعب بمختلف قومياته.

بعد ان اعطى الشعب زانة القفز على الانتخابات للاحزاب الاسلامية مصدقا الوعود الرنانة التي اطلقتها , احتل اماكن قانونية وإدارية اشخاص غير مناسبين لها ,فعم الفساد , والرشوة , وتم نهب خيرات البلد , وجرى تهريبها للخارج , فتوسعت الهوة الاقتصادية بين ابناء الشعب والمسؤولين ,الذين صعدت امتيازاتهم الى مستويات يحسدهم عليها اقرانهم في اغنى دول العالم , على حساب وضع خطط اقتصادية لتطوير الصحة والتعليم , وتحسين الظروف المعاسية للشعب , فمدننا لازالت مظلمة , وبتعمد , وماء صالح للشرب غير متوفر , والاحياء السكنية تسيح في برك المياه الاسنة , ناهيك عن الشوارع التي تحولت الى مجاري , وبعضها الى انهر لمياه الصرف الصحي , وبنفس الوقت لم تتخذ اجراءات فعالة للوقوف ضد قضم أجزاء من ارض الوطن , وتسميم اراضينا بمياه بزل من دولة جارة , كل هذا يتم من باب حق الجار عل الجار وبالمفهوم الاممي للطائفية .

لقد نضجت كل مقومات التصدي لما جاء أعلاه , وبداء المارد بالاستيقاظ بعد أن كان مخدرا بالمناسبات المذهبية المتعددة , وبشعاراتها التي لاتشبع والتي لكثرتها اعاقت عملية الانتاج على مختلف الاصعدة , بما في ذلك المؤسسات الرسمية , وجعلت المستثمرين يترددون في الاستثمار . لربما كان لثورة تونس ومصر واليمن , وبوادرها في ليبيا ,إحدى منشطات الاستيقاظ , وبدأت المقارنة الحقيقية بين التغيير بايدي اصحاب المصلحة بالتغيير وبين التغيير بالعامل الخارجي , وسوف لن يقبل شبابنا بما يوعد به من القيام باصلاحات , هذا الاصطلاح المطاطي , سيما وان الشعب لم يلمس على الواقع ما وعد به خلال مايقرب من ثماني سنوات , ولن يهداء له بال الا بعد ان يتحسس عدول من بالسلطة عن النهج الطائفي والمحصصاتي , وإلا ستتواصل الاحتجاجات ولربما تتحول لثورة , تضع حدا للتدهور الحاصل في حياة عامة الشعب , بالمطالبة بحل البرلمان ,وتشكيل حكومة انتقالية من كافة قوى الشعب , ومحاسبة كل من بعثر وسلب ثروة الوطن , وإعادة ما سرق من خزينته , والاهتمام بالتعليم والعلم ومحاسبة مزوري الشهادات وتعريتهم , حفظا على سمعة العلم والبحث العلمي والمعرفة التي كان العراق يمتاز بها.


لوزان 15.شباط.2011
 

free web counter