| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. علي الخالدي

 

 

 

                                                                                   الثلاثاء 28/6/ 2011



لقد عَرَفَ السبب...

د. علي الخالدي  

قاده حب اﻷستطلاع الى اﻷمعان في لقطات كان يعرضها التلفاز , ﻷجتماع بين اعضاء الكتل السياسية التي تشكلت منها الحكومة المبتسرة لعله يتعرف على احدهم , للأسف عصي عليه ذلك , وبعد طول تمعن , تعرف وبصعوبة على صديق ايام النضال ضد الدكتاتورية , , حيث كانا سوية حاملين هموم شعبهم , حالمين بيوم الخلاص منها . لقد تغيرت ملامحه , تسابقا مع تبدل احواله الاقتصادية , عن ما كانت عليه زمن القحط والحرمان . حتى استعانته بزوجته لم تنفعه ليتعرف على آخرين , ذلك ﻷن كروشهم قد ارتفعت وتكورت وكادت تلامس حنوكهم من الاعلى , ومن الداخل كانت تضغط على الحجاب الحاجز مما جعل تنفسهم مصحوب بلهيث مسموع عندما يتحدثون, لم يذكرهم هذا اللهيث بايام الجري ومن وراءهم الاعداء . بينما وجوههم قد غزاها اللون الاحمر , بعد ان كانت في ذلك الزمان شاحبة تدل على سوء تغذية كبقية ابناء الشعب . حتى هندامهم قد تبدل , مما يؤكد انهم قد ودعوا الايام الغبر , ومعها ودعوا ذاكرة الاصدقاء وحتى الاقربون ممن شاركوهم حمل هموم ابناء طينتهم , بدليل , حتى صديقه الذي تعرف عليه لم يعد يراه منذ ان انحاز عن طريقه وعكف على سبيل اوصله للسكن في أحد الأحياء الراقية ببغداد مع عائلته الثانية , بعيدا عن المحلة التي كان يتسكع وإياه فيها خلسة , أما الان فيمر عليها بسيارته ذات الزجاج الذي لا يبيح النظر للمتطفلين بينما هو يشاهد الاماكن التي نمت عبرها طفولته وافكاره التي كان يُلاحق عليها . دون أن يكلف نفسه النزول منها , لمشاهدة ما حل بهذه المحلة وما حصل ﻷصدقاء الطفولة والنضال , خوفا من أن يتعرض الى الاتربة التي تثيرها عجلته كعاصفة ترابية تسد الرؤيا عن آخر سيارة لحمايته عبر طرق يعرفها جيدا ومع هذا استطاع ان يتعرف على محل الحاج زاير وقد تحول الى وكالة تموين . بالرغم من طول الطابور الذي شكله ذوو وجوه بائسة رسم الشقاء اثاره عليها , لمح بينهم العمة فطومة بعباءتها الرثة , وقدميها نصف الحافيتين , وقد اثقل الاملاق ممشاها (مع الاعتذار لمعروف الرصافي) التي , اختطفت جندرمة الدكتاتورية ابنها , ولم تترك له اثر . تذكر تلك الايام عندما كانا يجلسان حول صينية فيها خبز التنور الحار الذي أعدته العمة فطومة مع حبات من تمر الزهدي و طاستين من اللبن الرائب وعند الانتهاء من التهامها يطرق اذانهم صوت العمة قائلا بالعافية ولادي إكويكم الله .

لم يكلف نفسه النزول ليسلم عليها ويُطَيب من خاطرها خشية ان تطلب منه ما يحق لها , إن العمة فطومة لا زالت لم تصدق أقوال ابنها المفقود من أنَ الارض التي تدوسها تضم كنوز في باطنها وسيأتي اليوم الذي ستتمتعين بها يا أمي بعد زوال الدكتاتورية , وفرحت العمة فطومة من زوالها التي كلفها فقدان معيلها فلذة كبدها كما تقول , الا أن خيرات هذا الكنز يبدو انحصرت ولم تتاح لها فرصة التمدد لتصل الى العمة فطومة فبقي حالها كما هو تعتاش على الحصة التمونية .

واصل صديقه الذي عَرَفَ من اين تؤكل الكتف , طريقه متطلعا عبر الزجاج الى الاكياس ذات الالوان المختلفة والمنتشرة على حافتي الطريق , مشكلة اشارة ارشاد الى جبل من قمامة , تتحرك حوله وفوقه اشباح , تبدو كقوافل نمل , باقترابه منها اتضح له ان هذه الاشباح ليسوا الا اطفال حارته , وهم ينبشوها بايديهم المسودة , لاستخراج ما يستطيعوا عرضه للبيع , ليسدوا رمق جوع عوائلهم , تاركين المدرسة والتعلم , بعد ان فقدوا المعيل ونَساهم ذوو السيارات المموهة . هذه المناظر البائسة وغيرها سرعان ما ايقظت في ذاكرته آخر زياره لحيّه , عندما امطره بوعوده البراقه اثناء حملته الانتخابية .

,تأكد لصديق فترة النضال وهو يتطلع نحو السيارة المسرعة التي تحاول تلافي بحيرات المياه الاسنة . أن صاحبه قد تحول الى هاوي يجمع كل شيء قل وزنه ليودعه في احد البنوك الاجنبية . فهو كثير السفر الى الخارج لتفقد عائلته الاولى , حيث تقيم في بلاد المهجر , والتي لا زالت تستلم المساعدات الأجتماعية ومنها الاطلاع على سير مصالحه المالية , بينما عائلته الثانية تقيم بأحد الاحياء الراقية في احد القصور التي استولي عليها , يقال ان البنوك الاجنبية قد شبعت من تكديس أمواله وزملائه , فلجأوا الى استثمارها في العقارات , وشراء الفنادق , أما الاستثمار في الوطن فغير وارد لانه يجلب المتاعب ويثير حسد وغيرة المنتظرون في طوابير البطاقة التمونية .

لقد علمته الحياة أن هناك أموراً مهمة , واخرى أكثر أهمية على رأسها الوقوف مع شعبه في نضاله المطلبي السلمي , فقرر الخروج مع الشباب الى ساحة التحرير , تاركا صاحبه وشأنه . الا أنه وقع في حيرة من أمره بأي المطالب يبدأ وما أكثرها , وماهي الاوليات التي يجب ان ينادي بها وماهي اللافتة التي سيكتبها ليرفعها مع المتظاهرين . توصل بعد مناقشة الافكار المتزاحمة في رأسه , الى أن الوضع الراهن في عراقنا الحبيب يتطلب الاسراع بتوفير الكهرباء منطلقا من انه اذا وجدت الكهرباء وجد كل شيء , فعن طريقها سيشرب ماء صالح للشرب , وستتحسن مفردات البطاقة التمونية , والخدمات الصحية , وسيستقر الامن , حيث ستضاء الشوارع حتى في الليل , وستبنى المصانع , ويجد فرصة عمل بدون محسوبية أو رشوة دفتر , وستزال القمامة من الشوارع التي سيحل محلها التبليط , وسترّشق الحكومة المترهلة وتقلص رواتب ومخصصات المسؤولين ويُوضَعون تحت رحمة قانون من اين لك هذا؟ وستصل خيرات الوطن الى العمة فطومة , وبهذا سينطلق العراق الى الامام كما كان يصبو اليه ويريده بعد التغيير . وبذلك ستتحقق احلامه التي حاد عنها صديقه المتنقل بالسيارة المموهة وبالحماية .

رفع لافتته المطالبة بالكهرباء وما إن دخل بين صفوف الشباب المتظاهر حتى هوت على رأسه ضربة توثية لم يستفق منها الا وهو بين مجموعة بلباس عسكري , شخّص من ضمنهم صديق فترة النضال بلباس مدني انيق طالبين منه التوقيع على تعهد بعدم المشاركة في مظاهرات الجمع مستقبلا , رمى الورقة والقلم جانبا وهو يتطلع بصمت مصحوب بعتاب , شاردا بفكره الى ما قاله تشرشل لبرنادشو في حفل استقبال , من يراك يا شو يظن أن في بريطانيا مجاعة , فرد ومن يراك يا شل يعرف سبب هذه المجاعة .
 


 

 

free web counter