د. علي الخالدي
لقد حان وقت التفكير
فيما لا يمكن التفكير بهد. علي الخالدي
في أجواء الربيع العربي وتصاعد وتيرة السباق للأستحواذ على منجزات تحرك الشباب الوطنية , من قبل قوى التشدد الديني التي يتحالف البعض منها مع بقايا الاحزاب الشمولية التي ثار الشباب ضد سياساتها التعسفية الظالمة بحق شعوبها , داعين الى بناء مجتمعات حرة تجعل من الديمقراطية تقليد وعرف , كاشفين زيف تطبيقها نصوصها الواردة في بعض دساتيرها على صعيد الممارسة اليومية للحياة السياسية والاجتماعية في تلك البلدان . لقد اكد الشباب بإحتجاجاتهم . السلمية إنه جيل شجاع , يمتاز ببعد النظر والعزيمة لتحسين أوضاع حياته المستقبلية , لا مدافعا عن وجوده فقط , وإنما اصبح الصوت العالي الذي ينادي باﻷصلاح الاقتصادي والاجتماعي , عبر نمط حياة وسلوكيات تواكب عصر الانترنت والفيسبوك , مطالبا بالعودة الى الازدهار التي كانت تعيشه ثقافات مجتمعاتهم على صعيد الموسيقى والمسرح والسينما , والتي يحاول البعض من القوى الحاكمة اخفائها والقهقرة بها الى الوراء وذلك بتطبيق نسخ حكم ذات خلفية معادية للحريات السياسية والاجتماعية بنكهة محلية , عُبرَعنها باغلاق النوادي وأماكن الترفيه الاجتماعي ومنع الموسيقى والمهرجانات الفنية والاحتفالات الترفيهية , لذا فلا غرابة أن يبدي الشباب تخوفهم من ما تسعى اليه هذه القوى بفرض اعتقادات وتصورات يعتبروها راسخة غير قابلة للنقض والتغيير , بالرغم من تعارض مسارها مع الطابع التقدمي للأصلاح الذي ينادوا به . وهذه القوى المضادة لتحرك الشباب لا تترك فرصة الا واستغلتها لتشن من خلالها هجماتها على الطابع الوطني والسلمي لهذا التحرك محاولة تشويهه واصباغه بتهم باطلة , واصبح هذا الهجوم يحتل موقع الصدارة في وسائل اعلامها , تاركة مسألة الاشارة الى مخاطر تجاذباتها السياسية وصراعاتها , وما يجري من نهب عام لموارد البلاد وفساد مستشري في كافة الاجهزة بما فيها الاجهزة الامنية , ناهيكم عن ما يجري من تعمد لاخفاء مساويء تأخر القيام بتحسين ظروف حياة الجماهير وخاصة الفقيرة التي ازدادت فقرا , عكسه البعد الشاسع بينهم وبين قطط سمان تكاثرت بشكل متسارع ضمنته سطوة الكتل ومآرب احزاب المحاصصة . وبالضد من ذلك يبقى موقف القوى الوطنية والديمقراطية من حركات الشباب داعما بشكل عام حاثتا شبيبتها بالمساهمة الفعالة في كل تحرك شبابي يخدم المجتمع , بينما نرى قوى تركض وراء تحقيق مصالح ذاتية , تعمل على كل ما من شأنه الوقوف ضد نهج التغيير الشامل لموروثات الانظمة المنهارة , فهي في الوقت الذي تصر به عن عدم وجود صراع كما يؤكد الشباب بين ثورات الربيع العربي والقوى التي فقدت السلطة والثروة , تعمل بالخفاء مع فلول تلك الانظمة على التخريب وإشعال الفتن الداخلية وإثارة الفوضى , وإشاعة الانفلات الامني , كما حدث في تونس ومصر والى حد ما في العراق , متعكزة على عصابات الفساد السياسي والاقتصادي في الداخل وما تلقيه من دعم من الخارج لتوجيه تطور الاحداث , وإبقاءها محصورة ضمن حدود البلدان .
إن فلسفة هذه القوى هي السيطرة على الحكم بأي ثمن غير مراعية اي اهتمام للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية للجماهير , منطلقة من أن برامجها المفعمة بالنصوص الغيبية ستحلها , فهي لا تأخذ بعين الاعتبار جذور مسببات المشاكل , وتضع على ضوء الحلول الناجعة لمعالجتها بالتعاون مع بقية القوى ذات البرامج الغنية بمسارات الأصلاح على كافة الاصعدة , بل تعمد الى الابتعاد عنها , وتسد الطرق امام مساهمتها في عملية إجراء الاصلاحات وبناء الوطن لما تملكه من كوادر سياسية وعلمية وطنية اتسمت بالنزاهة والاخلاص للشعب وخدمة الوطن .
لقد اثبتت الاحداث في العالم وبصورة خاصة في بلدان الشرق الوسط , ان ترك المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للتتفاقم يخلق ظروف ذاتية وموضوعية , بحيث تصبح واقع يتعذر إيجاد حلول ناجعة في ظلها إلا بتحرك جماهيري على نطاق واسع .كما يحصل حاليا في عدة دول بما فيها أمريكا .
ففي العراق مثلا كل القوى السياسية الحاكمة أجمعت عن أن الدستور مليء باﻷلغام , ولكن لا أحد منهم عمل اي شيء لازالتها , والحيلولة دون انفجارها التدريجي , بالرغم من تأكيد اصحاب القرار على أن العملية السياسية تسير بصعوبة في حقول الغامه تلك , ولم يؤخذ بما تم تشخيصه من قبل القوى الوطنية والديمقراطية الحريصة على مواصلة العملية السياسية مسيرتها من حلول ناجعة , لتلافي المطبات في مسيرتها نتيجة هذه الالغام . تمثل هذا التشخيص ( في حينه وبالفترة الزمنية المشخصة من قبل واضعي الدستور لتعديله ) بازالة قنابله الموقوته . بجانب هذا لم يأخذ أصحاب القرار ببديهية أن تقدم سير اي جيش في المعركة الى الامام يتم بعد أن تُنظف المنطقة التي كان يسيطر عليها الاعداء من الالغام . الا انه يبدو أن الوضع قد راق للكتل ذات الاستحقاق الانتخابي , لانه كفل لهم تحقيق مطامحهم الحزبية والذاتية , وبقت مطالبة الجماهير بالأصلاح وتحسين الخدمات وايجاد فرص عمل وبصورة خاصة للشباب منهم تصطدم بحديد بارد, مما حدى بالشباب الى ان، ينتفض في الخامس والعشرين من شباط الماضي محتذيا بشبيبة البلدان العربية , كصحاب قضية إجتماعية اقتصادية بعيدة في تفاصيلها عن الذاتية والمصلحية لقوى وأحزاب , دعمتهم بزج شبيبتها في الحراك التي لم تزل تلعب دور بارزا فيه . بينما بقيت شبيبة قوى وأحزاب مستفيدة من التغير متفرجة , إذا لم تكن معرقلة للتتحرك السلمي الذي لم تعلوا شعاراته سقف مطاليب الاصلاح اﻷقتصادي واﻷجتماعي والتصدي لمعانات الفقراء المتزايدة .
لقد تعمقت تجربة الشباب النضالية في خوض النضال المطلبي , بحيث ادركت بحسها الوطني . أن الوطن ميدان كبير لفروسية متواصلة لا تنتهي , مؤكدين إن من يجهل قوانين التطور الاجتماعي سيجهل لعبة السياسة , فهم على دراية من انهم قد لا يكسبوا , وقد يخسروا , المهم أن لا يدخلهم اليأس ويتم الانسحاب من مواصلة النضال المطلبي الى البيوت منكسرين .
2011.11. 23