|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 الأربعاء 5 / 6 / 2013                                عبدالقادر العيداني                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 


 

باعة الصحف والمجلات في البصرة .. اواسط القرن العشرين

عبد القادر احمد العيداني
alidanykhader@yahoo.com

يشكل باعة الصحف والمجلات في محافظة البصرة قنوات التواصل وبث الوعي الثقافي والوطني بين دور النشر والصحف وبين القارئ حيث يفترش اغلبهم الرصيف لعرض المطبوعات او يتجول على الدوائر والاسواق لغرض تصريف بضاعته التي تختلف عن ايه بضاعة او تجارة اخرى لأنها مهنة شريفة تعمل من اجل وعي الشعب واطلاعه على ثقافة الشعوب .

ان باعة الصحف بالرغم من معاناتهم قسوة الحياة حيث الصيف اللاهب والشتاء القارص لكنهم يقارعون هذه القساوة الطبيعية ببسالة قل نظيرها لا سيما وان اغلبهم انتقل الى رحمة الله ولم يضمن لعائلته اي ضمان اجتماعي او تقاعدي ولم تلتزمهم نقابة الصحفيين او اي مؤسسة اجتماعية ولم يحصلوا اي اهتمام لغرض تأمين وسائل معيشتهم .

نبدأ جولتنا من اقدمهم ممارسة لبيع الصحف والمجلات انه المرحوم عبد الحسن حاجم وكان مكان بيعه تحت عمارة النقيب قبل تهديمها وترك العمل بسبب كهولته ومن الذكريات عنه وعن زوجته الباسلة ام علي التي تمثل حقا غيرة المرأة العراقية في مساندة وشد عضد زوجها خاصة عندما تصيبه نكبات الزمن والامراض ففي احد الايام خلال الحرب العراقية الايرانية وهي تمارس بيع الصحف والمجلات واذا بالطاغية يقف فوق رأسها وعندما شاهدته انبرت بكل اصالة وعنفوان المرأة العراقية لتخرس الطاغية بأنها تعمل بشرف رغم اشتداد القفص المدفعي وسقوط القذائف بقربها فما كان منه الا ان يجر اذيال الخيبة وقد عرضت هذه الواقعة خلال شاشات التلفزيون .

لنعبر نهر العشار من خلال جسر (المغايز) الى الجهة المقابلة حيث سوق الصيادلة ويحتوي على عدة باعة في بدايته وتحت ساعة سورين والبنك العربي يجلس البائع المرحوم وشاح حمود ذلك الانسان الابي الذي يوزع الصحف التقدمية حيث لا يظهرها كلها للناظرين حرصا على عدم اثارة اجهزة الامن والحزب وانما يبيعها اجزاء يقابله من جهة اليمين البائع نعيم طاعون الذي ترك العمل بسبب الشيخوخة وعدم وجود مستقبل لهذه المهنة من العمل .

وعندما نتوغل الى منتصف سوق الصيادلة يقابلنا المرحوم محمد عبد السادة في بسطته التي تحتوي على كل ما هو جديد في عالم المطبوعات والصحف وعندما اغلقت ابواب العيش عليه بسبب رواج سوق الملابس والكماليات انتقل الى مكان اخر في شارع الكويت وعلى الرصيف ايضاً .

وبعد السير قليلا في سوق الصيادلة تواجه المرحوم محسن لعيبي وهو يتحدث لك عن ارهاب نظام البعث الفاشي حيث اختطفت اجهزته البوليسية اخاه المعلم عبد علي لعيبي ليستشهد نتيجة التعذيب الهمجي .

وفي نهاية السوق وقبل الدخول الى سوق الصاغة يقابلك البائع رحيم ومن الجهة الاخرى المرحوم خضير الاسدي ذلك الرجل صاحب المواقف النبيلة حيث كان يتابع حل مشاكل الباعة بصورة ملفتة للنظر ويضطر الى طرق ابواب المسؤولين في الدوائر لغرض حل مشكلة او للدفاع عن زملاء مهنته وفي مواقفه النبيلة التي لا تنسى ونتيجة لوشايات وتقارير من بعض مرتزقة النظام السابق عن مكتبة الجمهورية التي أديرها قدموها الى فرقة حزبهم الفاشي قرر هؤلاء الطغاة غلق المكتبة فما كان من المرحوم خضير الاسدي , الا ان ينبري للدفاع عن زملائه حيث هدد وبكل بسالة مسؤول الفرقة الحزبية في ذلك الوقت قائلا لو تم قطع صحيفة واحدة عن عبد القادر فأننا باعة العشار سوف نرسل كل كمياتنا من الصحف والمجلات اليه تضامناً .

ونتجه يساراً الى شارع المطاعم بالقرب من حلويات الانصاري كان يجلس القرفصاء المرحوم حسن صابر مكافحاً من اجل لقمة العيش ومن ثم نلتقي بالبائع حسين عودة حيث كان يلتقي الرياضيون قرب مكان بيعه لمناقشة اخر مستجدات الحركة الرياضية في البصرة سواء او في العراق بالاضافة الى بيع الصحف فأنه يمارس الكتابة الصحفية في المجال الرياضي .

وفي نهاية السوق من جهة ام البروم يجلس ذلك الرجل العصامي والبائع المجاهد المرحوم عجيل جبار ممارساً مهنته بالرغم من كونه ضريرا ولا يستطيع العمل الا بصعوبه بالغه اخذ المكان بعده صلاح قاسم.

نتجاوز قليلاً وتحت سينما الكرنك سابقاً نرى البائع ناصر سالم واقفاً مستعداً لتلبية طلبك من الصحف والمجلات ويحيط به بعض الشباب من كتاب الشعر والقصة لغرض شراء كل ما هوجديد في هذا المجال ومعرفة احوال بعضهم بعضا والذي لقب بصندوق امين المثقفين والادباء والصحفيين وذلك لتبادل الرسائل والمؤلفات من خلاله.

كما نذكر الشهيد ظاهر حبيب البائع المثابر ذو النفس الابية والذي ظل ملتصقاً بمهنته وهي بيع الصحف والمجلات بالرغم مما تمر به مدينة البصرة من موت وجوع وحروب في ثمانينيات القرن الماضي فدفع حياته شهيداً من جراء القصف المدفعي خلال الحرب وهو يمسك برزمة الصحف بيده واصابته قذيفة قرب المجمع التلفزيوني فراح شهيدا من اجل الثقافة والادب والناس .

نعود مرة اخرى ونعبر نهر العشار بواسطة جسر المحافظة حيث نلتقي في بداية شارع الاستقلال مقابل الاعدادية المركزية بالمرحوم عبد هزاع وهو بائع من طراز خاص يعطي لمهنته كل اهتماماته ويهتم بالاشتراكات الشهرية للصحف والمجلات الى الزبائن وفي بعض الاحيان يوزعها على دراجته ومن الباعة الاخرين المرحوم سالم شلاهي الذي يمتلك طيبة واخلاق اهالي منطقة شط العرب ومن ثم المرحوم طالب جابر في شارع الوطني ومن مواقفه التي لا تنسى انه في احد الايام وبسبب تأخر وصول الصحف والمطبوعات من بغداد الى فرع الدار الوطنية للتوزيع انبرى مهاجما سلطة البعث ووزير الاعلام ولولا تدخل البعض من الباعة لكان طالب جابر احد ضحايا المقابر الجماعية ومن ابرز الباعة المتجولين المرحومان مجيد الشريدة وكاظم عيسى الذي توفى وحيدا في غرفة باحد الفنادق البائسة وكان بعض موظفي الدوائر والمصارف من زبائنه الدائميين هذا بالاضافة الى ان مكتبة الجميع لصاحبها المرحوم الياس دورنه ومكتبة فرجو لصاحبها المرحوم اكر مفرجو قد مارست بيع وتوزيع الصحف والمجلات في العشار.

اما ابرز باعة الصحف والمجلات والكتب في اطراف المحافظة فهو السيد غازي فيصل حمود صاحب المكتبة الاهلية في البصرة القديمة حيث ما زالت هذه المكتبة العامرة ترفد البصرة بالزاد الثقافي منذ ثمانين عاماً وتقوم بتوزيع ونشر الصحف على الباعة لكون السيد غازي وكيلاً رئيسياً في المحافظة للمطبوعات الى اقصى منطقة في محافظة البصرة .

وفي المعقل ما زال السيد محمد صحين يمتلك عنفوان الشباب بالرغم من عمره الكبير بهدف ايصال المطبوعات الى دور المشتركين من موظفي الموانئ والسكك وكذلك الدوائر الرسمية في منطقة المعقل .

وفي محلة الجمهورية فأن مكتبة الجمهورية التي امتلكها ما زالت على نشاطها لرفد المحلة والمناطق المجاورة لها بكل ما هو جديد في مجال الصحافة والمطبوعات هذا بالاضافة الى ان هناك بعض الباعة للمطبوعات في الزبير والقرنة وابي الخصيب حيث ان اغلبهم لا يستمر طويلاً في العمل بسبب ظروف عديدة منها قلة الوارد الذي يأتي من هذه المهنة او العزوف عنها الى اعمال اخرى او لأي سبب آخر وهناك باعة عديدون مارسوا العمل لفترات متقطعة .

معذرة لباعة الصحف والمجلات الجدد الذين يمارسون العمل بكل شرف والذين لا يحضرني اسماء اغلبهم .

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter