|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  27  / 5 / 2025                                عبدالقادر العيداني                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

ذاكرة الالم ..

عبد القادر احمد العيداني  *
alidanykhader@yahoo.co.uk

برعاية العتبة العباسية في كربلاء المقدسة ، اقام المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف المؤتمر الدولي الاول بمشاركة وفود من 12 دولة وتحت شعار ذاكرة الالم في العراق يومي 16و17 نيسان 2025 ، وقد تم تقديم اكثر من 160 بحث وتم قبول 90 منها من قبل اللجنة العلمية وكان بحثنا بعنوان مسيرة وصمود .. ذكريات والم من مطامير البعث الفاشي وكان اول بحث تم القاءه في المؤتمر .     .... عبد القادر احمد العيداني
 

شهادة عبد القادر أحمد عبود

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

قال الامام موسى بن جعفر الكاظم (ع) مخاطباً الطاغية هارون الرشيد من سجنه لن ينقضي عني يوم من البلاء ، حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء

أنا عبد القادر أحمد عبود، من محافظة البصرة. أقف اليوم أمامكم لأشارككم شيئاً من ذاكرتي، التي حفرت فيها سنواتٌ من الألم، والمقاومة، والعذاب، والحرمان، في ظل نظام البعث الدموي.

بدأت رحلتي مع العذاب في 26 شباط 1963، حين كنت أقوم بمهام حزبيّة لتحذير رفاقي من خطر الحرس القومي، فوقعتُ في قبضة إحدى مفارزهم. اعتقلوني في مقرّهم قرب شركة نفط البصرة، ومنذ اللحظة الأولى بدأ التعذيب: ضربٌ بالعصيّ، وبالفلقة، وإطفاء أعقاب السكائر على جسدي. كل هذا فقط لأني شاب شيوعي رفض أن ينحني للطغاة.

بعدها نُقلتُ إلى مقرّهم الرئيسي مقابل نهر الخورة، وهناك استُخدمت أساليب أخرى من التعليق والضرب والإهانات. ورغم أنهم لم يملكوا أيّ دليل ضدي، استمرّوا في التنكيل بي لعشرة أيام، قبل أن ينقلوني إلى مديرية أمن البصرة، حيث تلقيتُ نصيبي من التعذيب هناك أيضاً.

أتذكر جيداً، كيف طلب مني مفوّض الأمن أن أسبّ الرئيس الأمريكي “كندي”، آنذاك وحين رفضتُ قال لي: “ليش ما تسبّه؟”، فقلت له: “من أكون أنا لأتطاول على رئيس شعبٍ يقود أكثر من ٣٥٠ مليون نسمة؟” وكان قصدهم حين أسب الرئيس الأمريكي يطلبون مني سب نيكيتا خرشوف الرئيس الروسي .

بعد خمسة عشر يوماً من الصمود، أُرسلت إلى معتقل مركز شرطة البصرة، وكان مزدحماً بمئات من المعتقلين. وذات ليلة، أدخلوني على مفوّض الأمن فاضل سلمان، وكان إلى جانبه “خائن” من رفاق الدراسة، اسمه محمد علي الموسوي، سلّمهم اسمي كذِباً. ولأني واجهتُه وفضحتُه، نالني تعذيبٌ آخر: بالفلقة، والضربٌ على الوجه والبطن، ثم لُففت ببطانية متّسخة وأعادوني بي إلى المعتقل.

نُقلنا بعدها إلى معسكر “قتيبة” في الشعيبة، حيث قضينا شهرين في مطامير تحت الأرض، لا نعرف فيها الليل من النهار. كنا نأكل شوربة باردة، وصموناً قاسياً، وماءً مالحاً لا يُطاق. ومن قساوة الحال، رفضتُ مرةً وجبة اكل تبين لاحقاً أنها ليست مطبوخة بالمعجون بل بأصباغ الملابس الحمراء !

في تموز 1963، بعد فشل انتفاضة معسكر الرشيد، تمّ نقلنا إلى سجن نقرة السلمان، عبر صحراء البادية الجنوبية ، في باصات خشبية مفتوحة قديمة، خلال ٤٠ ساعة نالنا من الغبار، والعطش الشيء الكثير . وهناك عشنا ظروفاً لا توصف: ماء مالح في حر لاهب. وكان بيننا الكثير من كبار سنّ، ومرضى، ومثقفون، وعمال، ومزارعون، وصلنا الى سجنٍ قاس لا ماء فيه ولا كهرباء، نعيش على الفوانيس واللوكسات هذا هو سجن نقرة السلمان في متاهات الصحراء.

لكن رغم ذلك، لم تنكسر عزيمتنا. كنا نعلّم الأمّيين القراءة والكتابة، ونتبادل الكتب، ونقيم حلقات للنقاش، ويجري الاطباء منا عمليات جراحية بوسائل بدائية بدون بنج وبالشفرات وسكاكين المطبخ حيث يعاني المريض الالام.

في يومٍ من الأيام، قام أحد المضمدين السجناء بتوليد زوجة شرطيّ من السجانة لإنقاذها من موتٍ محقّق، فقط لأنّ اطباء المستوصف في القرية لم يكونوا متوفرين، وكان هو الأمل الوحيد.

في معتقل قصر النهاية، كانت لي جولةٌ أخرى من الجحيم: معتقل، تحقيق، تعذيب حتى فقدان الوعي. عُلّقتُ على النوافذ عدة مرات ، وسُحبتُ إلى غرف التحقيق تحت وابل من الشتائم والركلات، وكلّ ذلك فقط لأني رفضتُ أن أتنازل عن قناعاتي وكان المعتقل يدار من قبل المجرم ناظم كزار .

هذه عينة من اسماء المجرمين وعصابات الحرس القومي في معتقل قصر النهاية ومقرات الحرس القومي ...

منذر الونداوي المشرف العام على عمليات التعذيب ، علي صالح السعدي سكرتير القيادة القطرية لحزب البعث وزير الداخلية ، محسن الشيخ راضي مسؤول الهيئة التحقيقية الخاصة في قصر النهاية ، بهاء حسين شبيب ، ايوب وهبي ، خليل العاني ، منعم قدوس ، صباح هايس ، عمار علوش ، حازم المصلاوي (حازم الاحمر) ، سليم الزيبق ، نجاد الصافي ، خالد طبرة ، جبار محمد كردي , ستار محمد كردي ، ناظم كزار أصبح فيما بعد مدير الامن ولقى مصيره المحتوم من قبل ولي نعمته المجرم صدام حسين ، سعدون شاكر أصبح بعد ذلك عضو قيادة قطرية ، حسن ابراهيم المطيري ، ناجي الدليمي ، هاني الفكيكي عضو قيادة قطرية لحزب البعث ، والمئات الاخرين من هؤلاء القتلة في العديد من مقرات الحرس القومي ودوائر الامن والاستخبارات العسكرية المنتشرة على امتداد الوطن.

عليه وبالنظر ان جرائم القتل والتعذيب لا تسقط بالتقادم لهذا تظل عوائل المعذبين والشهداء تنظر الى من ينصفها ويعيد الثأر لدماء ابناءها من الشهداء .

عليه فأن من الضروري ان يكون المسار بأتجاهين أوله تشكيل لجنة من بعض الحقوقيين والمحامين والقضاة من منظمات حقوق الانسان لكتابة لوحة قانونية لتلك الجرائم ، وتقديمها لمحكمة العدل الدولية في (لاهاي) والمنظمات الانسانية العالمية الاخرى من ضمنها هيئة الامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان وكذلك من اجل تكون اللائحة مكتملة تشكيل لجان تجوب العراق للكشف عن جرائم البعث وحرسه القومي .

رأيت رفاقاً استُشهدوا تحت التعذيب، ورفاقاً ضلّوا طريقهم، وخانوا مبادئهم، بسبب بشاعة أساليب التعذيب وكنت شاهداً على كذلك .

اليوم، وبعد كلّ تلك السنوات، لا أبحث عن تعويض، ولا أحمل حقداً، لكنّي أقف هنا فقط لأقول.

لا تنسوا الظالمين ولا تسكتوا على الظلم وان جرائم الطغاة لا تسقط بالتقادم

أنا عبد القادر أحمد عبود حكمت بالسجن المؤبد لمدة عشرون عاماً ، واحد من عشرات الآلاف الذين ذاقوا العذاب، لكنهم ظلّوا أوفياء لوطنٍ حرّ، وشعبٍ كريم

 

* باحث في شؤون سجن نقرة السلمان
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter