|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 الجمعة  21  / 8 / 2015                                عبدالقادر العيداني                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

من ذكريات الزمن الجميل
مقهى حميد عمارة

عبد القادر احمد العيداني
alidanykhader@yahoo.co.uk

تأسست في محلة الاصمعي مع فترة توزيع الدور السكنية على الموظفين وذوي الدخل المحدود وافراد الشرطة والجيش , ثلاث مقاه في مطلع ستينيات القرن الماضي في فترة انبثاق الحكم الجمهوري بقيادة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم , اثنتان في بداية المحلة بمواجهة محلة العالية والثالثة في منتصف المسافة لحي الاصمعي مقابل لمحلة الموفقية , قام ببناءها رجل اسمه (أبو حميد) وهو انسان ريفي التصرف والتعامل وذلك في عام 1961 من البردي المضغوط وبعض المواد الأولية البسيطة وكان هذا الشخص من المغرمين بصوت المطرب الشعبي سلمان المنكوب , حيث يفتح شريط مسجله من الصباح الباكر الى ساعات متأخرة من الليل لبث هموم واغاني المنكوب فقط .

كان شباب المحلة في بداية تعارفهم واغلبهم من الطلبة والموظفين يلتقون في هذه المقهى وكان ملحقاً بها مساحة من الأرض زرعت بالاشجار العالية وعندما يفعل الطرب فعله في جوارح وهموم (أبو حميد) ينزل الى منتصف الشارع يغرد بأعلى صوته مع سلمان المنكوب ويرمي عقاله الى عنان السماء وكوفيته ينزعها ويدوس عليها بقدميه ونحن فرحين بهذا السيرك المجاني كل يوم وكان المنكوب صديقاً حميماً (لأبو حميد) يزوره في المقهى وعندما سجن المنكوب اصبح صاحب المقهى يزوره في سجن البصرة المركزي.

كن نرتادها في بداية وعينا السياسي وتطلعاتنا الشبابية , فكانت في اغلب الأوقات مكاناً للقاءات الحزبية ومذاكرتنا المدرسية حيث كنا اغلبنا طلبة في المتوسطات والاعداديات ومن خلال هذه التجمعات الشبابية أصبحت المقهى مقراً لفريق الاصمعي بكرة القدم فوضع رجال الامن (السرية) اعينهم لمراقبة تحركات الشباب ورصد فعاليتهم حيث اغلبهم من سكنة محلة الاصمعي وكان هذا الشباب نواة لتكوين اتحاد الشبيبة الديمقراطي .

برز فريق كرة القدم بشكل ملفت للنظر واصبح من الفرق الشعبية المشهورة في محلة الاصمعي وعلى صعيد البصرة والمنطقة الجنوبية .

كان الفريق بقيادة اللاعب البصري كاظم رشم مدرباً وفي نفس الوقت كان يلعب لمنتخب البصرة وشركة نفط البصرة لكرة القدم الى جانب صديقه جاسب شند ومن اللاعبين الذين انتموا الى فريق الاصمعي (سعدون شاني الربيعي-كاظم غالب السعد-رجب شعبان-طارق شعبان-مجبل جويد-هاشم الحلفي-عبد القادر العيداني-طارق الخفاجي-عبود حنون-سامي طاهر-وكان حامي الهدف عدنان صبري وكذلك اللاعب المميز عبد الزهرة جمعة (ملفوفة) وكانت والدته المرحومة (ام حمزة) الطاعنة في السن ترافق الفريق في حله وترحاله سواءً على ساحة الاصمعي التي أصبحت الان جامعاً او في الساحات الأخرى كالجمهورية والمعقل وعلى صعيد الالوية الجنوبية , حيث تركب مع أعضاء الفريق في سيارة (الباص) الخشبية مشجعة للفريق وشادة ازرهم من اجل الفوز وليس غير الفوز , وتعتبر اول امرأة بصرية ان لم اقل عراقية تحضر مباريات كرة القدم بشكل منتظم وتهتف بأعلى صوتها الجميل لشد ازر الفريق.

والتحق لاعبين في فريق الاصمعي من الجيل الثاني عبد الرزاق احمد – هادي احمد غازي شيحان – فيصل شيحان – والشهيد الشيوعي سامي صيوان حامي هدف احتياط – علي شاني – حاجم شاني والكثير منهم لعبوا لمنتخب العراق والأندية بكرة القدم والمعذرة للاخرين الذين لم تسعفني الذاكرة بأيراد أسماءهم متمنياً من القراء تزويدي باسماءهم حيث كانت الاصمعي تزخر بالطاقات الرياضية والألعاب كالساحة والميدان وسباقات المسافات القصيرة والطويلة كاللاعب حكمت عبد الامام بطل العراق في (200-400م) والرياضي البارز رحيم عاصي بطل العراق في الزانة وموحان جبر ووالده ن .ض جبر شارك في بطولة اسيا للمسافات الطويلة ومفوض الشرطة رشيد حسن بطل العراق في رمي الرمح والعديد من الابطال.

كانت المقهى بحديقتها الغناء تطل على نهر الاصمعي الذي كان ماءه صافياً وتسبح فيه الأسماك وليس كما حاله اليوم حيث اصبح مبزلاً للمياه الثقيلة والاسنة التي تزكم الانوف ومكب للقاذورات والنفايات والحيوانات النافقة.

وبعد ثلاث سنوات باع أبو حميد (حميد) المقهى ورحل الى الكويت طلباً للرزق الى رجل كبير السن اسمه مجيد يقع بيته مقابل السوق الان وكان له أولاد يديرون المقهى معه وهم حميد عمارة الذي سميت القهوة باسمه حيث كان شابا نشطاً يقابل الزبائن بالاحترام والتقدير والرعاية وكذلك كريم مجيد ومحسن مجيد وكان محسن فنان تشكيلي رائع وصاحب مواهب فنية رائعة لو اتيحت له الفرصة في العراق لأصبح من كبار الفنانين التشكيلين الذين يشار لهم بالبنان لكنه سافر الى إيطاليا واستقر هناك ومارس هوايته الفنية وقد بعث لي عدة كارتات بريدية تبرز فيها عظمة الفن الإيطالي والاوربي لكنه للأسف توفى في سن مبكرة فقدت محلة الاصمعي رائداً من رواد الفن العراقي .

وبالعودة الى مقهى حميد عمارة فقد ادارها بشكل يرضي رواد المقهى وبسبب تعقد الوضع السياسي ودخول العراق في حروبه الظالمة ضد جيرانه وزج الألوف من الشباب وقوداً لهذه الحروب اللعينة وتناقص رواد المقهى تم غلقها ومن ثم تهديمها ففقدت محلة الاصمعي معلماً من معالمها الثقافية والاجتماعية والإنسانية.

 



 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter