| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 14 / 11 / 2025 عبدالقادر العيداني كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
في الذكرى الحادية والستون بأستشهاد البطل الملازم صلاح الدين احمد
عبد القادر احمد العيداني *
alidanykhader@yahoo.co.uk
تمر علينا في مثل هذه الايام في 15-11-1964 الذكرى الحادية والستين للأستشهاد الملحمي للبطل صلاح الدين احمد وقد تطرقنا عنه بشكل مفصل في كتابي (من اعماق السجون قيود تحطمت) والصادر ضمن السلسلة الذهبية لأدب السجون من اصدارات مؤسسة السجناء السياسيين عام 2013
بعد الحكم الديكتاتوري التسلطي على رقاب شعبنا بكافة فئاته واحزابه حركاته الوطنية والدينية في عام 2003 ولغاية الان بلغت زياراتي الى اطلال سجن نقرة السلمان ثلاث مرات تخللتها زيارتي لاصدقائي من اهالي القضاء ، وفي جلسة سمر ليلية تم الحديث بذكريات ساطعة عن تاريخ الشيوعيين في سجن نقرة السلمان بدءاً من اول سجينين دخلا نقرة السلمان في اوائل الاربعينات من القرن الماضي وهما المرحومان محمد صالح بحر العلوم وفخري بطرس وبعدها دخلت وجبات كثيرة من السجناء الشيوعيين عام 1949.
في جلسة سمر بدار الصديق عبدالامير شنان العبودي في قضاء السلمان تم الحديث عن السجن والسجناء وتطرقنا الى ملحمة الخلود للشهيد صلاح الدين احمد الذي هرب من محيط السجن للالتحاق بركب المسيرة الشيوعية لحزبنا البطل.
في زيارتي الثالثة هذه اوائل عام 2025 تطرقنا للشهيد صلاح الدين احمد في دار الصديق عبد الامير شنان حيث لا تبعد اطلال السجن عنا عشرات الامتار ومن خلال هذه الزيارة ولتعطشي ولهفتي لمعرفة مكان استشهاده تبين لنا ان مكان استشهاده يبعد عن قضاء السلمان 41 كلم باتجاه طريق السلمان السماوة في منطقة تسمى (السلحوبية) وعند عودتنا من السلمان ومن خلال دموع باكية في ذكر الشهيد صلاح تعرفنا على مكان استشهاده حيث نهشته الذئاب ليخر شهيداً بطلاً.
وعند تحديد مكان الشهيد اتصلت بعائلته الساكنة في الموصل لاعلامهم عن مكان استشهاده وكذلك اتصلت بجهات عديدة لغرض اقامة دلالة او نصب للشهيد لتبقى مناراً للاجيال القادمة لكن لم يلقى اقتراحي هذا اي صدى وما زال مطروحاً على ذوي الشأن ومن المهتمين بتاريخ السجون وبالمناسبة انشر ما كتبته عن الشهيد في كتابي من اعماق السجون نقرة السلمان قيود تحطمت .
شهداء ومناضلون
من سجن (نقرة السلمان)
(1)
الملازم صلاح الدين أحمد
استشهاد يفوق التصوّر
الشهيد صلاح الدين أحمد (أبو رباح)
إن يوم (15 / 11/1964) يوم الحزن الكئيب في تاريخ السجناء في سجن (نقرة السلمان) حيث فقد الحزب الشيوعي العراقي أحد أبنائه البررة شهيداً من أجل (وطن حر وشعب سعيد). إنه الشهيد المقدام، ملازم أول (صلاح الدين أحمد). ولمعرفة المزيد عن هذا الشهيد وعن محاولاته في الهروب من سجون الطغاة، دعونا نتعرف على الشهيد (صلاح الدين أحمد).
إنه من مواليد مدينة الموصل، وقد ارتبط في بداية عنفوان شبابه بالحزب الشيوعي، فكان إبناً باراً للحزب.
دخل الكلية العسكرية وتخرج منها ضابطاً في صفوف الجيش العراقي.
ومن مواقفه المشرّفة إنه قاد وحدته العسكرية في الموصل لضرب المتآمرين على مكتسبات ثورة 14 تموز في مؤامرة الشواف القذرة، حيث نفـّذ تعليمات المتآمرين بشكل عكسي وضرب الوحدات العسكرية دفاعاً عن الثورة فاتـُهِمَ بقتل آمر وحدته (خيري الخيرو) فكانت مكافأته هي العقوبة بنقله إلى قيادة القوة البحرية في البصرة من قبل حكومة ثورة 14 تموز.
عند مجيء زمرة البعث بالقطار الأمريكي للقضاء على مكاسب ثورة 14 تموز ولمحاربة القوى الوطنية في (8 شباط) المشؤوم، وقف الشهيد بوجه الانقلابيين، فكان مصيره الاعتقال حيث أُرسلَ إلى معتقل (قصر النهاية) ومنه إلى مقر الحرس القومي في النادي الاولمبي، واستطاع الهرب من الحرس بعد أن مثـّل دور الكنـّاس في المعتقل واستطاع الفرار.
واعتقل مرة أخرى في معتقل معسكر الخيّالة في الأعظمية واستطاع الهروب أيضا بعد أن تسلّل من فتحة المرافق الصحية، وظلّ هارباً من قبضة الجلادين فقامت زمر البعثيين باعتقال عائلته مما اضطره الأمر تحت هذه الظروف القاسية أن ينتفض للحفاظ على شرف عائلته من براثن الجلادين، بأن سلـّم نفسه لقاء إطلاق سراح عائلته.
بعد ذلك سيق إلى المجلس العرفي العسكري، وكانت نتيجة حكمه الإعدام رمياً بالرصاص، وأُلقيَ في غياهب سجن (نقرة السلمان) بعد أن وصل بواسطة (قطار الموت) مع خيرة ضباط الجيش العراقي والكثير من المناضلين الأباة إلى هذا المعتقل.
وخلال وجوده في سجن (نقرة السلمان) محكوماً بالإعدام زارته والدته، وأخذت تنادي بأعلى صوتها: (ولدي صلاح إن المجرمين يعدون العدة لتنفيذ حكم الإعدام بحقك ولا أُريد أن أراك معلقاً بالمشنقة، ويشمت بي البعض من المحسوبين على أهالي الموصل النجباء). فكانت هذه الصرخة المدوية في صحراء البادية الجنوبية نقطة الانطلاق والتحوّل للتفكير بتنفيذ خطة هروبه بالتنسيق مع المنظمة الحزبية في سجن (نقرة السلمان).
تعدّدت الكتابات عن رواية هروب صلاح الدين، فكان بعضها قريباً إلى الحقيقة، والبعض الآخر اعتمدت على السماع المنقول من شخص إلى آخر؛ وبما أني عايشت تفاصيل العملية بكل أسرارها، ولكوني شاهد عيان لها، وقريب من موقع القرار في هذه العملية تخطيطاً وتنفيذاً، ولأنها أصبحت في ذمة التاريخ، أُريد أن تنجلي الحقيقة كاملة عن هذا العمل البطولي الفذ..
جرى التخطيط لعملية الهروب على (فراشي) في سجن (نقرة السلمان) بين مسؤولي المنظمة الحزبية بشخص المرحوم (سامي أحمد) والشهيد صلاح، حيث تم إعداد مستلزمات الهروب وهي بوصلة وسكين يابانية الصنع قبضتها حمراء اللون، وكذلك مجموعة من الحبال والتمر مع بعض الأطعمة المجففة، بالإضافة إلى قليل من الماء. بعد إكمال كافة الاستعدادات لضمان سلامة عملية الهروب، أعرب ممثل السجناء لدى إدارة السجن في مغرب أحد الأيام عن حاجة السجناء إلى بعض الماء من البئر الذي يقع خارج سياج السجن، وفي مثل هذه الحالة لا يجري عريف الخفر تعداد للخارجين والداخلين، ولا تفتيشهم بعد جلب الماء، فخرج ثمانية سجناء من ضمنهم الراحل ملازم اول خالد حبيب يحملون صفائح من التنك لغرض جلب الماء، عاد سبعة منهم، أما صلاح الدين فمكث مع مستلزمات هروبه داخل البئر بانتظار اللحظة المناسبة لهروبه ليلاً. لم يكن في بال صلاح الدين ولا منظمة الحزب في السجن أن تلك الليلة كانت مقمرة، مما اجّل تنفيذ عملية هروبه...
في اليوم التالي لبقاء صلاح الدين في البئر خارج جدار السجن، جرى صباحاً التعداد اليومي للسجناء بعد منع التجول داخل ساحة السجن، وتمت تغطية النقص بشكل جيد بعد استغفال الشرطة المكلفة بالتعداد. مرّ ذلك اليوم على السجن بسلام.
(إن الشرطة بعد تعداد الردهات العشر للسجن، يقومون بتعداد المتفرقات مثل المطبخ والسمكرة والصيدلية، وبما أن لكل ردهة بابان أمامي وخلفي، ولكون الردهة العاشرة بجانب المطبخ مباشرةً يتسلل أحد الرفاق من الباب الخلفي بخفة متناهية ويلتحق بالمطبخ، فيتمّ تعداده مرة ثانية لغرض التغطية على النقص.).
وفي عصر اليوم الثاني لبقاء صلاح الدين في البئر، أُعيد سيناريو إخراج بعض السجناء لغرض جلب الماء من البئر، الذي يقع خارج أسوار السجن، فلاحظت هذه المجموعة من السجناء أن صلاح الدين أحمد ما زال داخل البئر ولم يستطع الهروب تلك الليلة، لأن القمر كان بدراً، وكان للكلاب دور سلبي في العملية، بسبب نباحها العالي على كل غريب في المنطقة المحيطة بالسجن، مما اضطره للعودة إلى داخل السجن مع نفس المجموعة المكلفة بنقل الماء، وكان منهكاً وفي حالة صحية سيئة، مما اضطره إلى البقاء داخل السجن حوالي الأسبوع إلى أن استعاد عافيته.
تم تنفيذ سياقات عملية الهروب مرة ثانية، فتسلل الشهيد بأمان من البئر إلى صحراء البادية الجنوبية، مستعيناً بالنجوم، وخاصةً نجوم (بنات نعش)، وكذلك الاعتماد على البوصلة لمعرفة الاتجاهات الأربع وتحديد مساره على ضوئها. وكان الشهيد يأخذ قسطاً من الراحة خلال النهار، لضمان عدم اكتشافه من قبل دوريات شرطة البادية الجنوبية، وكذلك شرطة الكمارك التي تقوم بمكافحة التهريب عبر الأراضي السعودية.
في داخل السجن تم في اليوم التالي والأيام التي تلته، تغطية النقص بنفس السياقات السابقة، وكان الرفاق القريبون من موقع قرار عملية الهروب يزدادون فرحاً كلما مرّ يوم ولم تستطع إدارة السجن كشف النقص في عدد السجناء. وفي اليوم المشؤوم، (اليوم الخامس لعملية الهروب)، وتحديداً في يوم (15/ 11/ 1964) تم استلام برقية من قبل هيئة الإنصات على اللاسلكي داخل السجن والتي تديرها المنظمة السجنية، بأن شرطة البادية خلال تجوالها في تخوم الصحراء، عثرت على جثة سجين هارب من نقرة السلمان نهشتها الذئاب على مقربة من الطريق الترابي الذي يربط قضاء السلمان بالسماوة، وهذا يدلّ على أن الشهيد لم يضلّ الطريق، وهو باتجاه قضاء الشامية في الديوانية، للاتصال بالكادر الحزبي الموجود في تلك الفترة في الشامية لغرض تأمين سلامته. وقد تأكد أن سبب استشهاده هو إصابة كليته بالتهاب حاد بسبب فقدانه الماء لطول الفترة الزمنية للهروب.
على ضوء هذه الأخبار غير السارة، والتي تبعث على الحزن والبكاء على رفيق افتقدناه شهيداً أبياً، كانت وجوه السجناء عابسة وباكية، فما كان من شاعرنا (مظفر النواب) إلا أن يؤبّن الشهيد في قصيدته المعنونة (صلاح) والتي يقول فيها: (المنايا الما تزورك... زورها).
عند وصول البرقية إلى إدارة السجن قامت مجاميع مجرمة من الشرطة وحرس السجن بهجوم بربري ووحشي على السجناء، حيث أطلقت العيارات النارية، واستعملت الهراوات، ونودي على السجناء لغرض التعداد لمعرفة هوية السجين الهارب، فتوصلت إدارة السجن من خلال قراءة أسماء السجناء واحداً.. واحداً مع فصل من الضرب المبرّح، ان السجين الهارب هو (ملازم أول صلاح الدين احمد). فما كان رد فعل السجناء بقيادة تنظيمهم الحزبي، إلا إعلان الإضراب عن الطعام حزناً على استشهاد الرفيق صلاح، واحتجاجاً على الأعمال والتشديدات التعسفية من قبل إدارة السجن، وإدعائنا باختطافها للشهيد صلاح من داخل زنازين الطغاة لغرض قتله وتركه فريسة للذئاب والحيوانات البرية في غياهب الصحراء (1).
لك المجد أيها الرفيق الشهيد ملازم أول صلاح الدين احمد.حيث كنت أخاً ورفيقاً شيوعياً أبياً لإخوتك في سجن (نقرة السلمان) وفي زنازين الطغاة على امتداد الوطن.
(1) إن تحديد يوم استشهاد الرفيق صلاح الدين احمد، أخذ مني وقتاً طويلاً ولأكثر من مدة سنة، حيث لم تخني الذاكرة، بأن استشهاده صادف يوم إقالة نيكيتا خروشوف من منصب السكرتير الأول للحزب الشيوعي السوفياتي، وعند البحث عبر الانترنيت والمواقع الالكترونية والمجلات والكتب، عثرت على يوم استشهاد صلاح الدين احمد الذي صادف يوم إقالة خروشوف وهو يوم (15 / 11/ 1964م).
* باحث في شؤون سجن نقرة السلمان (سجين سياسي في سجن نقرة السلمان)