| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 9 / 7 / 2026 علي المسعود كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
فيلم "أثر الأشباح"
يستكشف ببراعة رعب الحرب والتعذيب في سجون بشار الاسد
علي المسعود (*)
(موقع الناس)
المخرج "جوناثان ميليت" يقدم فيلم "أثر الأشباح" الذي يتبع مسار حميد "آدم بيسا" السجين الذي نجى باعجوبة من الموت من سجن صيديانا السوري ، شخصية حميد تحمل الفيلم الطويل بأكمله على كتفيه الهزيلتين. لديه بعض الحوارات القليلة، ولديه الكثير لينقله من خلال نظراته وصمته. كان مدرسا سابقا للأدب في مدينة حلب ومعارضا للنظام، فقد كل شيء وتعرض للتعذيب لأشهر قبل أن يترك في وسط الصحراء بلا طعام أو ماء. وانتهى به المطاف في ألمانيا لاجئاً يحمل قروح الماضي وندوب موشومة على ظهره من جراء التعذيب في المسلخ السوري (سجن صيدنايا) ، مثل آلاف من رفاقه أثناء عبورهم مخيمات اللاجئين ورحلات طويلة بالشاحنة من معاناة وعرق ودموع. هوسه في البحث عن الرجل الذي يطلق على نفسه اسم هارفاز وهوجلاده في المعتقل السوري، كل هذا العنف الذي يكبته، والحزن المدفون في روحه، كل هذا يتجسد من خلال أداء الممثل التونسي - الفرنسي (آدم بيسا) ،المتحفظ الذي كان طاغيا للغاية. ثم هناك الممثل الفلسطيني (توفيق بارهوم) شخصية الحلاد السوري المتنكر في أوروبا . ولفترة طويلة كان ظلا. شخصيته عكس حميد، يندمج (يصر بشدة على التحدث بالفرنسية، حتى مع سوريين آخرين)، ويبدو أنه قلب صفحة عن سوريا، ويتواصل مع الآخرين، ويقع في حب امرأة فرنسية، ويرعى طموحاته الجامعة. هل هو حقا من عذب السجناء السياسيين بالكهرباء، هذا الرجل الذي يبدو اللطيف والودود، الذي يغازل ويعشق .
المخرج "جوناثان ميليت" تلاحق كاميرته شخصيته الرئيسية (حميد) التي تتبع االجلاد الذي لم ير معذبه من قبل، والعكس صحيح. لأنه كان يوضع كيسا على رأسه طوال وقت التحقيق ، كان يسمع صوته فقط، ولا يستطيع إلا التعرف عليه هكذا، من صوته ومن رائحته ومن مشيته . حميد شاب لم يجد هدفا في حياته سوى لمطاردة مجرمي الحرب. المنظمة السرية التي ينتمي إليها (والتي تتواصل عبر لعبة فيديو على الإنترنت بأنها "لعبة حرب" ، ومن المفارقة المؤلمة، أن الأمر يتعلق بقتل أكبر عدد ممكن من الشخصيات في وسط مدينة مدمرة) تذكرنا دائما بصيادي النازيين أو مطاردات الموساد في السبعينيات والثمانينيات. الفيلم مستوحى من قصة حقيقية،
من خلال خبرته الواسعة كمصور سينمائي حول العالم وصانع أفلام وثائقية، بدأ المخرج "جوناثان ميليت" في إخراج أول فيلم روائي له. بعد أن عاش في حلب قبل حوالي عشرين عاما وحافظ على صداقات مع العديد من السوريين، عاش بطريقة ما الثورة السورية التي بدأت في مارس 2011 ، حيث كان يتلقى صورا وفيديوهات يرسلها أصدقاؤه بانتظام. نسبة كبيرة من السكان السوريين اختاروا المنفى ، سواء في تركيا أو في ألمانيا، فقد تابع " جوناثان ميليت " هجرة ونفي بعض أصدقائه عن كثب. ثم، في يوم من الأيام، سمع عن الخلايا السرية والشبكات السرية التي تشكلت لمطاردة مجرمي الحرب السوريين في أوروبا الذين "لجأوا" تحت هويات مزيفة. لم يكن من المستحيل تصور سرد قصة في فيلم وثائقي ضمن مثل هذه الشبكة، لكن بدا لجوناثان ميليت أن الخيال أكثر ملاءمة لسرد الواقع بدقة وشمول . يوضح المخرج قائلاُ : "أثر الأشباح" هو استمرار لعملي حول الهجرة من خلال الأفلام السردية والوثائقية. حافظت على توازني؛ أسعى لالتقاط مصائر فردية فريدة لاستكشاف المنفى من منظور البشر. ويضيف المخرج (المخرج فرنسي عاش في حلب ويتحدث العربية) :"يمكن قراءة قصة حياتي بين سطور هذا النص الحميم . عشت أكثر من عام بقليل في حلب. كنت في العشرين من عمري ولم تكن الحرب قد بدأت بعد. بعد عدة سنوات اندلعت الحرب وأصدقائي في حلب كانوا يرسلون لي اللقطات التي صوروها الأسبوع السابق. لقد عشت الحرب وتدمير حينا من خلال هذه الفيديوهات. فروا إلى إسطنبول، حيث زرتهم عدة مرات، في قلب الجالية السورية في تركيا، ولاحقا إلى ألمانيا" . بالطبع، كمخرج أفلام وثائقية جيد، قضى وقتا طويلا في البحث عن هذه الخلايا، وكيف حدثت عملية التظليل، ولقاء ومقابلات مع بعض أعضائها. وبذلك تمكن من "بناء" شخصياته، في جانب "الصيادين" و"المطاردين" للجلادين والمجرمين الذي اشرفوا على تعذيب المعتقلين في سجون بشار الاسد، وجعلهم يتبنون سلوكيات، ويقومون بأفعال ملموسة.
بذكاء شديد، حرص على أن يفهم الجمهور تدريجيا ما كان يبحث عنه حميد، الشخصية الرئيسية. نتعلم أولا أن هذا االمدرس خرج من سجن صيدنايا، أسوأ سجن في عهد بشار الأسد، و كان متزوجا، وأنه كان لديه ابنة وأن كلاهما توفيا في تفجير . عندما وصل إلى أوروبا، لم يكن مصيره كمهاجر مثيرا للحسد، خاصة في فرنسا. ومع ذلك، شيئا فشيئا، سنفهم أنه في الواقع يتتبع حرفاز أحد معذبيه، وسيصبح الفيلم مزيجا من الإثارة وتجسسي هادئ، مع أشخاص ليسوا محترفين لكنهم مع ذلك لديهم دوافع خاصة في بحثهم عن مجرمي النظام السوري . في هذا الفيلم، الذي يأخذنا عميقا إلى يقينيات وشكوك السجين السياسي حميد، تستدعى حواس أخرى غير البصر للتعرف على شخص كان يزرع الخوف والعذاب حوله ولم يراه لأنهم كانوا معصوبي الأعين أثناء جلسات التعذيب: حاسة الشم، ونبرة الصوت. وهكذا نتعلم أن أعضاء الخلايا السرية مثل تلك المعروضة في الفيلم يختارون التواصل عبر ألعاب الفيديو الحربية لأنها الأماكن الوحيدة على الإنترنت التي يمكن فيها استخدام كلمات مثل "قنابل" و"ميت" و"قتل" دون أن يتم اكتشافها . بالنسبة للجماعة التي ينتمي إليها حميد، السؤال الذي يؤرق أعضائها هو ما إذا كان مجرموا الحرب الذين يحاكمون معهم سيحاكمون أم أنه من الأفضل لهم تنفيذ الإعدام. من الواضح أن هذا الفيلم، الذي افتتح أسبوع نقاد لمهرجان كان السينمائي 2024 وكذالك عرض في مهرجان الجونة السينمائي ، هو فيلم ذو موضوع قوي جدا، يولد توترا كبيرا. أداء الممثلين في أدوار حميد وحرفاز مذهل للغاية.
"آدم بيسا"، الذي يلعب دور حميد، ممثل فرنسي-تونسي حظي بتقدير خاص في فيلم "هاركا" من قبل لطفي ناثان. استغرق الأمر الكثير من الجهد ليتبني اللهجة السورية التي يتطلبها دوره . أما توفيق برهوم، في شخصية حرفاز، فهو فلسطيني وكان هو من لعب الدور الرئيسي في شخصية آدم، في فيلم "مؤامرة القاهرة" للمخرج طارق صالح. عند مشاهدة هذا الفيلم الرائع، لا يمكن إلا أن يتخيل المرء الرعب الذي عاشه ضحايا النظام السوري الإجرامي من خلال إفتتاحية الفيلمال قصيرة تظهر رجالا أشباحا يطلق سراحهم في الصحراء، يستمعون إلى شهادات صوتية عن التعذيب، وصور لعبة حرب على الإنترنت، لكن لا شيء غير ذلك. كل الرعب خارج الشاشة، نرى فقط على الشاشة العواقب النفسية الرهيبة على أشخاص محطمين إلى الأبد وغير قادرين على إعادة بناء حياتهم، والذين يأملون فقط في الحصول على شكل من أشكال العدالة.. كما يقدم رسالة نادرة ومستنيرة حول تجارب السكان الذين هم ضحايا الحروب والفضائع التي ارتكبتها الأنظمة الإجرامية، وعن دوافع هؤلاء المهاجرين االموجوعين والموشومين بعذابات الماضي وكوابيسه التي تلاحقهم ..
ما يلفت الانتباه في فيلم "أثر الأشباح" هو استحضار رعب التعذيب، ليس من خلال صور الفلاش باك المهمة، بل من خلال عناصر صوتية، وتمتد العملية حتى إلى تنظيم وترتيبات البحث عن الوحوش . الفيلم مستوحى من أحداث حقيقية . في البداية، كان المخرج يريد صنع فيلم وثائقي يركز على مركز علاج لضحايا الحرب والتعذيب. ثم، خلال بحثه، سمع المخرج عن شبكات سرية، وصائدي الأدلة، ومجموعات تطارد مجرمي الحرب في أوروبا لأشهر. بين ستراسبورغ وبرلين، صنع المخرج ميليت فيلما عن الإيماءات، عن الاستماع، واللمس، والشم، ووضع كل الصور المهمة مثل الحرب أو التعذيب خارج الشاشة . الممثل (آدم بسا) ينجح في في أداء رائع مليء بالتوتر. يصدر هالة من الجاذبية. هناك شيء يثقل كاهله. وأنت تنظر إليه بلا حراك، تشعر بدوامات عقله المضطرب. ولكن اللهجة السورية البعيدة عن لهجته التونسية كانت تقيده في الأداء بشكل كبير، إذ يتكلم ببطء شديد، وتأتي مخارج ألفاظه منخفضة بشكل يقلل من أدائه للشخصية ، إلى جانبه، جوليا فرانز ريختر، وهلا رجب، . يذكرنا هذا الفيلم الروائي بضرورة عدم نسيان فطاعة الديكتاتور وبشاعة اعماله ووحشيه رجاله وجلاوزته أتجاه معارضيه التي تستمر في التعرض يوما بعد يوم في حلب وأماكن أخرى، يستحضر السيناريو الذي كتبه مع " فلورنس روشات"، بقوة وبراعة المعاناة والإذلال الذي عانى منه معارضو نظام بشار الأسد .
في فيلمه الأول عام 2012، وهو فيلم وثائقي بعنوان سبتة، سجن الدوسي، كان جوناثان ميليه قد أبدى اهتماما بمصير المهاجرين. في سن التاسعة والثلاثين، يعود إلى الموضوع بهذا الدراما في شكل إثارة . حامد عضو في منظمة سرية تطارد مجرمي الحرب السوريين المختبئين في أوروبا. يقوده سعيه إلى ستراسبورغ في تعقب معذبه السابق . بينما يذهب إلى ستراسبورغ على خطى معذبه السابق، الذي لا يعرف سوى رائحته وصوته وخطواته، يعلم حميد من لاجئة سورية (الممثلة السورية حلا رجب) أن هذا الرجل يختبئ تحت هوية طالب كيمياء وبأسم جديد (سامي حنا) (توفيق برهوم، ذو حضور قوي). خلال سعيه الصامت المهووس والصبور، سيكون حميد محاوره النادر زميلته الألمانية نينا (جوليا فرانز ريختر)، التي تزوجت من سوري . وعن فكرة الفيلم في مطاردة مجرمي الحرب السوريين في اوروبا تحدث المخرج قائلاً:"إنها قصة حقيقية. كنت أبحث عن فيلم عن لاجئين الحرب والصدمات، كنت في مرحلة التوثيق، ألتقي بلاجئين سوريين، لكنني لم أجد زاوية الفيلم. ثم أسمع عن هذه الخلايا السرية. كان هذا بالضبط الموضوع الذي أردت التعامل معه، وموضوعا ذا قوة هائلة جذبني فورا".مع اهتمام دقيق بأدق الإيماءات والتعبيرات لشخصيته الصامتة، التي جسدها آدم بيس ببراعة، يستخدم جوناثان ميليت الصور خارج الشاشة بحكمة في أماكن مجهولة أو مألوفة، مثل الحديقة، المكتبة، مقهى الإنترنت. فقط تسجيلات شهادات الشهداء السوريين، التي يستمع إليها حميد خلال رحلاته، تكفي لسرد أهوال الحرب الأهلية في سوريا. وكذلك الصمت البليغ والعلامات على الجلد. مكان مثالي للحديث عن هجوم دون إثارة الشكوك، حيث تلتقي حميد ونينا توحي بطريقتها الخاصة بحلب المشتعلة والدامية .
حميد لاجئ من الحرب السورية، ويعيش الآن في فرنسا. ومع ذلك، لم يتمكن الشاب من إعادة بناء حياته. مثل جسده الذي يتتبع التعذيب الذي تعرض له في السجن، فإن عقله يطارده ذكرى جلادته. على الرغم من أنه لم ير وجه الأخير قط، إلا أن حميد لا يزال يسمع صوته. ومن أجل العدالة والحاجة لإعادة بناء حياته، انضم حميد إلى مجموعة سرية من اللاجئين الذين يطاردون مجرمي الحرب الذين لم يعاقبوا. واتضح أن من ألحق أسوأ إساءة بحميد كان يعيش متخفيا في ستراسبورغ... مع فيلم " أثر الأشباح"، يقدم المخرج "جوناثان ميليت " إثارة تجسس هادئة مخادعة .طوال الوقت، يختار الكاتب والمخرج نهجا غير معتاد تماما لهذا النوع من السرد . لذا، يتبع فيلم "الأشباح" خطا مستقيما صبورا . في الواقع، بمجرد أن يتلقى حميد معلومات عن الهوية الجديدة ومكان إقامة معذبه، لا شك أن الأول سيتتبع الثاني. السؤال هو: ماذا سيفعل حميد عندما يكون في حضرة جلاده أو معذبه؟ .يفتح جوناثان ميليه ملف جميع مؤيدي بشار الأسد، اللاجئين في أوروبا، الذين يحاولون أن ينسوا وحشية تصرفاتهم، وجرائمهم، وتعذيبهم . هذه هي قصة المعتقل السياسي (المستندة إلى أحداث حقيقية) التي تدور أحداثها بين فرنسا وألمانيا، كان من المفترض أن يرى جلاده في ستراسبورغ حيث يدرس الكيمياء ... "لقد اختبر كل الأحماض والغازات القاتلة على جسدي"، يتذكر حميد وسائل التعذيب ، الذي لا يشك كثيرا في الهوية الحقيقية لمعذبه. يتعقبه، يقترب منه، يشمه، يراقبه، يراقبه، يستمع إلى محادثاته عبر الهاتف، ثم يعود الصوت. . وبرأس مغطى بحقيبة، لم ير الشاب وجه جلاده من قبل. لكنه كان يسمعها كثيرا. حتى في المشهد الافتتاحي، حيث يرقد في شاحنة مليئة بالسجناء، تكون الصورة شبه مظلمة تماما. تصبح الموسيقى التصويرية أكثر هيمنة بعد سماع إطلاق النار. يخرج حميد إلى الصحراء، ويشعر بالدوار من ضوء الشمس المفاجئ . إخراج "ميليت" بالإضافة إلى تصويره المتكرر لحميد من الخلف أثناء خطواته وتحركاته، يمنح بشكل خاص أهمية الحواس الأخرى مثل السمع والشم خارج الشاشة. لذا، فإن الكتاب الذي يستخدم كوسيلة لنقل المعلومات بين زميلين وقصيدة "رائحة ياسمين دمشق" للشاعر الشهير نزارقباني. تتناقض هذه المطاردة البطيئة والمفصلة مع الحركات المتقطعة في لعبة الفيديو الحربية التي تعمل كنقطة اتصال صوتية بين أعضاء هذه المجموعة الذين يسعون لمحاصرة المسؤولين عن فظائع الحرب الأهلية السورية .
(*) كاتب عراقي \ مقيم في المملكة المتحدة