| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

علي عبدالواحد محمد

 

 

 

الأربعاء 12/12/ 2007



بعض من قضايا النضال الطبقي في الظرف الحالي
(1-2)

علي عبد الواحد محمد

يمكننا ، القول : إن النجاحات الهائلة التي حققها النظام الرأسمالي العالمي ، في المجالات كافة ، تعود بالأساس الى جملة عوامل ، كان في مقدمتها تلك الدراسات الضخمة ، والتحاليل المستفيضة ، عن سبل تطور هذا النظام ، وقدرته على إستيعاب أرقى المنجزات العلمية التكنولوجية ، كموضوع للإنتاج، إضافة لإستفادته من النظريات الإجتماعية المتطورة ، وتطبيقها على المجتمع ، ومن ضمنها التشريعات ذات الطابع ألإشتراكي ، مثل الضمانات ألإجتماعية ومعونات البطالة ، ومجانية التعليم والزاميته لمرحلة معينة ، ومجانية الطب ...الخ ، ومن الطبيعي إن هذه التطورات لم تحدث بمعزل عن النضالات الطبقية التي خاضتها وتخوضها الطبقة العاملة في هذه المجتمعات ، ولكنها أيضا كانت نتيجة لمسار تطور هذا النظام ، وصراعه الطويل مع ما كان يسمى الإنظمة الإشتراكية ، ونتيجة لحاجة أصحاب رؤوس ألأموال لإطالة أمد نظامهم ، وكانت لديهم القدرة على تجديده ، فالقدرة هذه كامنة في ذات النظام. وكان بناءه السياسي على اساس الديمقراطية وحقوق ألإنسان ، ودوله القانون والمؤسسات ، والفصل الكامل ما بين السلطات ، وفصل الدين عن الدولة وعن المدرسة .....الخ ، عامل أساسي في تطوره ، وإستناده على أسس الديمقراطية ، والتداول السلمي للسلطة ، رغم إن هذا النظام يحمل في طيات بناءه الفوقي العوامل الكامنة لظهور الفاشية ( فهي قد نتجت تاريخيا من صلب النظام نفسه ، ومن خلال التداول السلمي للسلطة ) ! ، إلاّ إن مجمل التطورات الحديثة في بنية الرأسمال ، وظهور العولمة وغيرها من مظاهر التداخل ما بين الدول القومية وعالمية ( اممية ) الرأسمال تصّعب ظهور الفاشيات مجدداً .

وإزاء هذه التطورات الحاصلة في الرأسمالية ، وإزاء القناعة الجديدة التي تولدت في صفوف حركة الطبقة العاملة ، عن إن النظام الرأسمالي نظام قادر على تجديد نفسه ، وهو غير آيلٍ للسقوط في مرحلته الراهنة على أقل تقدير ، وإن الأنظمة التي جاءت كبديل عنه (ألإتحاد السوفيتي السابق ودول اوربا الشرقية وغيرها .. ) لم تصمد في الصراع معه ( وهنا لابد ان نشير إن هناك جملة من العوامل الداخلية والخارجية لعيت دورها في عدم الصمود هذا لسنا بصدد مناقشتها الآن على ألأقل ) ، ظهرت بوادر القبول لجملة من إجراءات النظام الراسمالي ، الإقتصادية والإجتماعية ، وتوالت الدراسات العمالية لهذه الإجراءات ، وظهرت مفاهيم جديدة مستعارة من القاموس المقابل في صفوف الطبقة العاملة، وأصبحت مقبولة وغير محرم الحديث بها ، واصبحت ألأحزاب الشيوعية والعمالية تتحدث في أنظمتها الداخلية وفي برامجها عن حق الإختلاف في الرأي ، وعن حقوق الأقلية في الترويج لآرائها في الصحافة الحزبية ، وغيرها من الأمور الكثيرة التى كانت من المحرمات . هذا التقبل الشجاع من قبل حركة الطبقة العاملة العالمية للمعطيات الجديدة للتطور العالمي يعبر أيضا عن قدرة الطبقة العاملة على تقبل المعطيات الجديدة ، من جهة وعن قدرة الماركسية كأداة للتحليل على تقبل هذه المعطيات ، وبالتالي حصلت النقلة النوعية في المنظومتين الفكرية والعملية للأحزاب الشيوعية ، فاصبح الكثير من أفكار ألإشتراكية الديمقراطية مقبولاً لدى الأحزاب الشيوعية دون أن يعني ذلك تحولها الى إشتراكية ديمقراطية .

بعض ملامح ظروف النضال المعاصرة للطبقة العاملة :
نظام الإنتاج الراسمالي في تطوره المتسارع ومن خلال إشاعته إستعمال ألأتمتة ، وإدخاله للمنجزات التكنولوجية المتطورة كوسائل إنتاج ، يلفظ في كل يوم ، اعدادا من العاطلين عن العمل في صفوف من أسماهم ماركس جيش ألإحتياط النسبي ، واللفظ هذه المرة لم يشمل العمال لوحدهم وإنما كل العاملين بـأجر ، ومن ضمنهم الكثير من التكنيكين والمدراء السابقين ، فهؤلاء يجمعهم سوق العمل مع الطبقة العاملة ، في بيع قوة عملهم ، ويدخل اسلوب تفكير جديد للنضال قد يؤدي الى تمييع أساليب النضال المعروفة لدى العمال ، إذا لم يتم وضع الضوابط والقواسم المشتركة مابين الرؤى المختلفة كنتيجة حتمية لهذا التداخل الجديد ما بين الطبقات .

التطور الديمقراطي الحر الطويل للبلدان ا لراسمالية ، والحق المكفول للطبقات والتنظيمات الإجتماعية في خوض الإنتخابات ، وإمكانيتها في التداول السلمي للسلطة ، طرح جانبا مسألة الثورة والأنقضاض الثوري ، ليحل محله ثقافة أخرى ، وهي التطور السلمي ، التي لم تكن الثقافة السائدة في إستراتيج الطبقة العاملة ، كما أن الديمقراطية في المجتمع ، من حيث شكل تداول السلطة او من حيث الفصل التام ما بين السلطات ، وإقرار الدولة ومنظمات المجتمع المدني بالحقوق الكاملة للإنسان، دفعت بقضية دكتاتورية البروليتارية الى الخلف ، بل وكادت ان تختفي من برامج احزاب الطبقة العاملة في هذه البلدان ومن أنظمتها الداخلية .

القوانين ذات الطابع الإنساني ، التي تحدد ساعات العمل وتمنع توظيف الأطفال وألأحداث ، وتتعامل مع النساء وفق مبدأ " أجر متساوي لقاء عمل متساوي "، وقوانين الإعانة الإجتماعية ، وحق الرجل أو المرأة بإجازة الولادة ، إضافة لحقوق الأطفال في الرعاية ما قبل المدرسة " الحضانة والروضة " وفي بعض البلدان يلازم ذلك الحق في قضاء وقت الفراغ داخل الروضة او الحضانة لحين إستلام الأطفال من قبل أهلهم وإن كل ذلك بدون إجور في بعض البلدان وبإجور رمزية في أخرى ، وفي الدنمارك مثلاً يتم صرف شيك ألأطفال كل ثلاثة أشهر مرة لكل طفل في العائلة لم يتجاوز الثامنة عشرة ، وهي مساعدة سخية للأسر كثيرة الأطفال، إضافة الى القوانين الخاصة بإصابات العمل ، والتعويض عن الإصابات ، والتقاعد المبكر لمن يعاني من ألأمراض ، التي لا شفاء لها وفق المستقبل المنظور . الأمر الذي حصر نضالات الطبقة العاملة بالأمور المتعلقة بتعديلات هذا القانون أو ذاك .

ملكية وسائل الإنتاج في جوهرها لازالت ملكية فردية ، ولكن طرأ عليها تغيرات ، ففي الملكية الزراعية مثلاً ، ( الدنمارك أو السويد مثلاً ) ، هناك ملكيات زراعية كبيرة ، في مختلف انواع المنتجات الزراعية المناسبة للبلدين ، إضافة للملكيات ألأصغر فالأصغر، وهناك نوع من الحيازة للأراضي الزراعية التي تكون ملكيتها للبلدية ويمكن للفرد هنا التعاقد معها لإدارتها لفترة زمنية قابلة للتجديد ، يقيم عليها منزله الصيفي وإستثمارته ليزرع فيها ما امكنه من خضروات وفواكه وأزهار،الملكيات الزراعية الكبيرة تدخل في بعضها التوظيفات المالية الضخمة ، وألإتحادات المالية الكبيرة ، ( في صناعة منتجات الألبان مثلاً ) ، اما في الصناعة فقد شهدت التطورات الهائلة والسعة الفائقة في كل البلدان الراسمالية وتجاوزتها ، لتصل التوظيفات المالية الى بلدان أخرى لم تكن محسوبة على البلدان الصناعية كالنمور الآسيوية وغيرها ، مما ساعد على نمو هذه البلدان وتطور بنياتها الإجتماعية لصالح العمال، التطورات هذه إنعكست ايضا في مجال الملكية التي بقيت على جوهرها ، إلاّ إن عددالمالكين لوسائل الإنتاج إزداد وما يزال من خلال تطور نظام الأسهم وشيوعه. وهنا لابد من الإشارة إن جوهر الصراع بين العمل وراس المال مازال حول الطابع الإجتماعي للعمل وبين الملكية الفردية لوسائل الإنتاج وتعترف الأحزاب العمالية والشيوعية الآن بالصعوبات التي تواجهها في تحشيد الطبقة العاملة حول إمكانية إحلال الملكية الإجتماعية بديلاً عن الملكية الفردية لوسائل الإنتاج. نتيجة لتراكم العوامل المخففة للمطالب العمالية ، رغم إن الأتمتة وإستخدامها المتزايد في الإنتاج تطرح المزيد من العمال ، وغيرهم من الفنيين والإداريين الى خارج سوق العمل ، وهناك جملة من العوامل التي أضعفت نضال الأحزاب العمالية في هذه المهمة بالذات وهي:

النظر الى قضية الملكية الشخصية في المجتمع كشئ مقدس لا يمكن المساس به ، مما حدى بالأحزاب الشيوعية الى بذل المزيد من الجهود للتفريق ما بين الملكية الفردية لوسائل الإنتاج ، والحيازة الفردية للبيت أو السيارة .......الخ من الأشياء  .

قضية الأسهم ، وإتاحة الفرصة لكل فرد من تملكها والمضاربة بها عن طريق سوق البورصة .

الأجور العالية والخدمات الكبيرة التي تقدم الى العمال ومعونات البطالة وإستمرار الخدمات حتى في حدوثها ، جعل قضية ملكية وسائل الإنتاج غير ذات تأثير في رفعها كشعار فتمت الإستعاضة عنها بالمطاليب التي لآ تمسها .

خلاصة القول إن الظروف العالمية الجديدة ، وأبرزها العولمة ، والإنتقال السريع للرأسمال بين المراكز الإنتاجية والأطراف ، والتطورات الحاصلة في كل بلد رأسمالي على حدة ، أضافت سمات جديدة لنضال الطبقة العاملة فيها ، فهي من جهة تتمتمع بإمتيازات التطور الحاصلة ، بما فيها تسهيلات الحصول على القروض لشراء البيت أو السيارة أو الآثاث المنزلية ، وتسهيلات المساهمة في ملكية وسائل الإنتاج من خلال الأسهم ، ومن جهة أخرى يقع عليها الإضطهاد الطبقي غير المحسوس ، للملكية الفردية لوسائل الإنتاج ، فمثلاً ، في الوقت الراهن اصبح شائعا ما ندعوه " التملك الخاص للمعارف العلمية "

وهو حق إستثمار هذه المعارف التي لم تأت عن فراغ وإنما هناك جهود مضنية قد بذلت حتى تم الوصول الى النتيجة الأخيرة وهي ايضا ثمرة عمل عدد من الباحثين والمختبرات والمعاهد العلمية ، إنها ثمرة المدرسة والمجتمع ، والشخص الذي يخدم الباحث وغيرهم الكثير مع ذلك تكون النتيجة لفرد واحد او لفريق عمل صغير بينما هي نتاج جهد إجتماعي واسع. ومع ذلك إن النقابات العمالية ما زالت تخوض النضال الإقتصادي الذي لا يمس جوهر النظام ، وقد خاضت هذه النقابات تجارب الإضرابات والمظاهرات والإعتصامات للوصول الى بعض المكاسب القيمة . ولم تعد قضية الثورة وسلطة الطبقة العاملة أو ما شابه تدور في التفكير حاليا.

( يتبع )



 


 

Counters