| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. عامر صالح

 

 

 

                                                                                      الأثنين 9/5/ 2011


 

في علم نفس الثقافة ومناخ الاستبداد

 د.عامر صالح 

" لم ينجز شيء رائع إلا على أيدي أولئك الذين اعتقدوا بأن هنالك في داخلهم قوى تتفوق على الظروف " - بروس بارتون

أن الحديث هنا ليست عن الثقافة كمدخل مفاهيمي وماذا نعني بها, فذلك محتواة في الكتب المدرسية والأكاديمية, ولا عن الاستبداد كنظام سياسي نلتمس آثاره ونكتوي بممارساته, وإنما الحديث ينصب عن جوهر وجذور نشأة الاستبداد الناتج عن ثقافة القمع والكراهية منذ نعومة الأظافر, ومن هنا يرتبط الاستبداد ارتباطا وثيقا بآلية القمع التي تمارس ضد الطفولة فتسهل انفلاق الاستبداد في الكبر, إن كان كسلوكيات فردية متناثرة, أم كمنظومة سياسية, تجسدها شخصية " قائد الضرورة " و" قائد الشعب " و " ملهم الجماهير " و " منقذ الأمة " و " راعي الشعب " و " آية الله " و " المرشد الأعلى " و " خليفة المسلمين ", وجميعها تجسد فنون وألوان واليات للقمع والاستبداد تعكسها التنشئة الاجتماعية الأولى المليئة بالحصر النفسي والإحباط والفشل, والتي تتحول بدورها إلى آليات في العدوان والثأر من الآخر عبر إيجاد هالة من التبرير والتقديس للفعل المرتكب, واللجوء في أحيان كثيرة إلى الاستعانة بالكتاب المقدس لإضفاء القدسية على الجرائم المرتكبة عبر البحث عن النصوص التبريرية لارتكاب أبشع الجرائم في القمع وكبت الحريات, كما هو الحال في تنظيم القاعدة التكفيري, ومسلسل الاغتيالات والتصفيات الجسدية بواجهات مختلفة, طائفية ومذهبية وعرقية وفئوية !!!!!!.

قد نستدل على وجود ثقافة ما من خلال الملاحظة المنظمة لسلوك الأفراد, ومن تعدد النواحي التي يمكن ملاحظتها في سلوكهم كطرق الحياة المختلفة, وطرق الاتصال بين الناس, ولكن هذه النظرة تبقى وحيدة الجانب وغير مكتملة بسبب من اعتمادها على الآثار الخارجية والملموسة فقط, ولذلك عكف علماء الانثروبولوجيا على التركيز على ما يسمى بمضمون الثقافة, ويقصد به أنماط السلوك غير الملموسة والتي تتمثل في المعايير والمعتقدات والقيم والحاجات, ولذلك فأن الثقافة من وجهة النظر هذه تعكس الدوافع لدى الأفراد في الموقف الاجتماعي !!!!.

وتمثل الثقافة نمط الحياة في مجملها, وفي علاقات أجزائها ونظمها بعضها ببعض, وما يدخل في ذلك كله من نظم اقتصادية وتربوية, وعلاقات اجتماعية, ونظم سياسية وقانونية, وأساليب تربية الأطفال وكذلك القيم والمعايير. أي أن القيم والنظم في أي ثقافة لها ثلاث خصائص: أولها الوظيفة, أي بمعنى أن كل ناحية من نواحي الحياة لها علاقتها بباقي النواحي من قيم وأفكار. وثانيها أن لكل ثقافة ميلا نحو الإنسان بمعنى أن بها ضغوطا لتساير جوانب الحياة بعضها البعض. وثالثها أن لكل ثقافة طقوس وشعائر ومناسبات يعتني بها ويجري التأكيد عليها. أي لا بد من وجود علاقة بين ما تنقله الثقافة إلى النشء, وبين كيفية نقلها إليهم, وهنا يستخدم مفهوم الثقافة جانبا نفسيا وتربويا, فالثقافة تتضمن طرق وأساليب التشكيل, وما تثيره من جوانب نفسية وانفعالية لدى الأفراد, وهنا تتضح العلاقة الجدلية بين مكونات الثقافة وتأثيرها المتبادل في تشكيل شخصية الفرد والجماعات والمجتمعات !!!.

ولعل التعريف الشامل لمفهوم الثقافة والذي يذكره العالم " عزت راجح " يوضح بعض من تجليات حديثنا, حيث يذهب إلى القول بأن " الثقافة وحدة متكاملة من المعلومات والأفكار والمعتقدات وطرق التفكير والتعبير والترويح وطرق كسب الرزق وتربية الأطفال والصنائع اليدوية وغيرها من الظواهر السائدة بين أفراد المجتمع والتي تنتقل من جيل إلى جيل ويكتسبها الأفراد عن طريق الاتصال والتفاعل الاجتماعي لا عن طريق الوراثة البيولوجية, ولكل ثقافة جانبان: جانب مادي, وهو ما ينتجه عقل الجماعة من أشياء ملموسة كهندسة البناء والملابس والأطعمة, وجانب لا مادي ويتمثل في المعارف والمعتقدات والقيم والفنون. وتضم الثقافة الأساسية في المجتمعات المعقدة ثقافات فرعية خاصة بالطبقات المختلفة أو الجماعات أو الأقليات التي يتضمنها المجتمع الكبير مثل ثقافة الريف, وثقافة الحضر, وثقافة أهل الواحات, وثقافة أهل السواحل, وثقافة أهل بحري, وثقافة أهل قبلي" ... الخ. وبهذا تشكل الثقافة محددا رئيسيا للسلوك وتجلياته في مختلف المجالات, السياسية والاجتماعية وغيرها عبر تأثيرها القوي والفاعل في تكوين شخصية الإنسان الفرد والمجتمع في المجالات الآتية:

1 ـ توفر الثقافة للفرد صور السلوك والتفكير والمشاعر التي ينبغي أن يكون عليها, ولا سيما في مراحله الأولى, بحيث ينشأ على قيم وعادات تؤثر في حياته, بحسب طبيعته ثقافته التي عاش فيها.

2 ـ توفر الثقافة للأفراد تفسيرات جاهزة عن الطبيعة والكون, واصل الإنسان ودورة الحياة.

3 ـ توفر الثقافة للفرد المعاني والمعايير التي يستطيع في ضوئها ما هو صحيح من الأمور وما هو خاطئ.

4 ـ تنمي الثقافة الضمير الحي عند الأفراد, بحيث يصبح هذا الضمير فيما بعد الرقيب القوي على سلوكياتهم ومواقفهم.

5 ـ تنمي الثقافة المشتركة في الفرد شعورا بالانتماء والولاء, فتربطه بالآخرين في جماعته بشعور واحد وتميزهم عن الجماعات الأخرى.

6 ـ تكسب الثقافة الفرد الاتجاهات السليمة لسلوكه العام, في إطار السلوك المعترف من قبل الجماعة.

وعلى خلفية ذلك نستطيع أن نفهم عمق أزمة الثقافة في مجتمعاتنا والتي ترجع بجذورها إلى الناحية السيكولوجية والتربوية, وبشكل خاص إلى النظام التربوي والتعليمي باعتباره المصدر الأساسي لبث الثقافة وإعادة توليدها, بدء من الأسرة وانتهاء بالنظام التعليمي, حيث تسود تنشئة اجتماعية قوامها الشدة والضرب ويكتنفها العديد من مظاهر القمع والاستلاب والاغتراب وتكريس عدم المساواة بين الجنسين, والتركيز على تطبيع الأطفال للانصياع والخضوع الأعمى للكبار, سواء كان ذلك عن طريق التسلط, أو عن طريق الرعاية الزائدة, والتركيز على العقاب الجسدي والترهيب أكثر مما تشدد على الإقناع, كما تؤكد على أهمية الضغط الخارجي والتهديد والقمع السلطوي, أنها تركز على مبدأ الحماية والطاعة والامتثال والخوف من الأخطار, حيث تنشأ عن ذلك نزعة نحو الفردية والأنانية والتأكيد على الذات المفرط, ونمو الإحساس الشامل بالغربة والاغتراب, وتكريس المحرمات الثقافية,والتي تمنع بدورها الإنسان من ممارسة الفكر الناقد, وتظل قيمة الطاعة في المجتمع الأبوي هي القيمة العليا !!!.

كما أن أنظمتنا التعليمية هي الأخرى ذات طابع تلقيني تطالب الدارس بالحفظ وإعادة الإنتاج بطريقة ببغاوية, ولا يسمح له بالاختلاف , حيث أن أطفالنا يعيشون منذ بداية التعليم الأولي ازدواجية لغوية, وازدواجية فكرية, وازدواجية اجتماعية, تؤثر سلبا في البنية العقلية والمعرفية والسلوكية للدارسين, فإذا أتى الدارس بشيء جديد يغاير في أسلوبه نمطية التعليم فأنه يتعرض إلى شتى مظاهر الإقصاء والإهمال وسوء الظن بقدراته, وبالتالي يضطر إلى مسايرة " القطيع " لكي يضمن سلامته من العقاب و" الفشل الدراسي ", وبالتالي يجبر على عدم التغريد خارج السرب واحترام السائد وتقديسه, مما يسهم ذلك في تشكيل مرجعيات ذهنية في عقل الدارس خارج إطار النقد والتقويم تساهم بدورها في تشكيل قناعات متحجرة بالأشخاص والظواهر مقطوعة الصلة بالزمان والمكان الذي نشأت فيه, مما يسهم في إلغاء الذات المبدعة, فتكون الشخصية سهلة الانقياد وراء مرجعيات مختلفة بدء من مرجعية الأب المطلقة ومرجعية المعلم والمرجعية الدينية والسياسية, وهكذا تكون الشخصية أسيرة التقليد والتقديس للتراث والخطاب السياسي والديني بعيدا عن جدوى قراءة مضمون الخطاب وصلاحيته للزمان وقيمته في التكيف الاجتماعي, مما يشكل بدوره أرضا خصبة لنشأة ونمو فكر الاستبداد والتطرف بمختلف مظاهره !!!!.

والثقافة ضمن هذا السياق تؤطر العمل السياسي وتضفي عليه صبغة مطابقة لنموذج التنشئة الاجتماعية السائد التي يتعرض لها الأفراد, وبهذا تسهل نشوء فكر الاستبداد ودولته والتي تستند على العناصر الأساسية الآتية:

1 ـ وجود مجموعة من الأفكار المتطرفة ذات طبيعة إيديولوجية, سواء كانت سياسية عقائدية أم دينية متطرفة, والتي تلعب دور المرشد المطلق الغير قابل للنقد أو التعديل أو المناقشة, وتبث هذه المنظومات العقائدية عبر نظام سياسي أو مؤسسات متخصصة وذات اتجاه دعائي وحيد الجانب, وما على المجتمع إلا الإيمان بها إيمانا مطلقا, فتذوب الذات الفردية والمجتمعية في النظام العقائدي ويصبح النظام السياسي ومنظومته العقائدية هو بمثابة الشعب, ويسهل ذلك الموروث الثقافي الذي لا يتحمل المنافسة والمغايرة في المواقف.

2 ـ وجود تنظيم مكرس لتلك الأفكار, فالأفكار الاستبدادية تحتاج إلى تنظيم لكسب القوة السياسية. مثل هذه الأفكار قد تبقى هاجعة فترة طويلة من الزمن, تتغذى خلالها وتبقى حية من خلال خلايا أو روابط صغيرة أو جمعيات سرية أو أحزاب هامشية أو تجمعات دينية مغلقة وغيرها, بعدئذ وفي ظروف ملائمة تثب إلى السلطة و تقوم بمصادرتها بعيدا عن إرادة الناس, وتقوم عبر أجهزة الدولة القمعية بتكريس وإعادة توليد التراتبية الاستبدادية, والتي قوامها الطاعة العمياء والولاء للقائد, حيث تمضي الأوامر من القمة إلى القاعدة لتنفذ بكل حذافيرها, فالولاء المطلق والطاعة العمياء هما المتوقعان من الطبقات والفئات الدنيا في المجتمع وفي التنظيم لتشكل حجر الزاوية في الخضوع الاستبدادي وتجير الوجود كله.

3 ـ اللجوء إلى الأعمال المتطرفة لنشر الأفكار, أي استخدام الرعب والعدوان الاستبدادي والقوة المفرطة للبقاء في السلطة وزرع حكم الخوف من خلال القيام بأعمال قاسية لا إنسانية تصل إلى حد الوحشية بهدف واحد هو إخافة الناس وزرع الرعب في قلوبهم, بدءا من حملات التطهير إلى الاغتيالات الفردية والقتل الجماعي, إلى النفي والسجن, وكلها تهدف إلى تخويف الناس وإرهاب كل من يحتمل أن يعارض القائد أو الحزب أو الدولة البوليسية أو المؤسسة الدينية الحاكمة أو يتخذ موقفا مغايرا لها, ويصبح المواطن هو العدو الأول للسلطة وهو المستهدف بكل أعمالها العدوانية, وتستمر السلطة الاستبدادية في دوامة البحث عن عدو وهمي خارجي لتكريس ممارسة الاستبداد في الداخل !!!!.

وبقدر تنوع الثقافة ضمن ظروفها الطبيعية والتاريخية والاجتماعية والسياسية فهي تشكل الوسط الذهني الذي تتشكل فيه ذهنية الأفراد ومداركهم وميولهم وعواطفهم ورغباتهم وتقرر أصدقائهم وأعدائهم وتنوع عقولهم وبدائلهم السياسية, وتبقى الفطرة الإنسانية الرافضة للاستبداد والتعسف هي سيد الموقف في اللحظات الحرجة والتواقة لخلق ثقافة بديلة !!!!.






 

 

free web counter