| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

د. عامر صالح

 

 

 

 

الثلاثاء 7/4/ 2009



سيكولوجيا الكلام واللاتناظر الوظيفي للدماغ

د. عامر صالح

"
اللغة نافذة العقل على العالم"
                              سينيكا

قبل الحديث عن المساهمة غير المتساوية او اللاتناظرية لنصفي الكرة المخيين في عملية الكلام,أرى من الضروري الاشارة الى بعض المعارف الاساسية حول الجهاز العصبي المركزي,وهي لازمه للأحاطة بجوانب الموضوع.أن الجهاز العصبي المركزي عامة,والدماغ منه بصورة خاصة,والمخ بشكل أخص هو الاساس المادي/الجسمي لأنطلاق الكلام باعتباره احدى العمليات العقلية الراقية (النشاط العصبي الاعلى).كما ان التركيبات التشريحية الوظيفية التي اكتسبها النوع الانساني في مجرى عملية النشوء والارتقاء تشكل هي الاخرى الوعاء اللازم للنظام اللغوي.

يتكون الجهاز العصبي المركزي للأنسان من قسمين رئيسين هما: الدماغ, والحبل الشوكي.ويتكون الدماغ ايضا بدوره من قسمين وهما: المخ,وماتحت المخ (الساق الدماغية,والمخيخ).وتتكون الساق الدماغية من اجزاء هي:النخاع المستطيل, والجسر,والدماغ المتوسط,والدماغ الاوسط .وينقسم المخ الذي هو القسم الاعلى من الدماغ,الى نصفين كرويين متناظرين.يقع احدهما في الجهة اليمنى من الجسم,والاخر في الجهة اليسرى,وتوجد بينهما روابط متبادلة متعددة,من خلال تركيب يسمى الجسم الثفني(الجسم الجاسيئ),والذي يشبه سلك سميك,وتغطيهما القشرة المخية,ذات التلافيف والشقوق,او الاخاديد والفصوص ,وهي رمادية اللون تقع تحتها المادة البيضاء وتفصلهما عن القحف(الجمجمة) ثلاثة أغشية رقيقة هي: الأم الجافية الذي يفصل المخ عن القحف,والغشاء الاوسط(العنكبوتي) الأم العنكبوتية, والأم الحنون.ويفصل الغشاء الاوسط عن الأم الحنون السائل المخي الشوكي, والذي يقوم بالاضافة الى عمله كوسادة لحماية المخ,بخدمة عمليات التغذية الخاصة بالمخ على نسق مايؤديه اللمف والسائل النسيجي لأنسجة الجسم الاخرى.ويتكون المخ وقشرته من اربعة أزواج من الفصوص,أي لكل نصف من المخ اربعة فصوص:الفصوص الامامية,والفصوص الجدارية,والفصوص الصدغية,والفصوص القفوية(القذالية).

يجري الحديث الان,عن مفهوم اللاتناظر الوظيفي أكثر من الحديث التقليدي عن مفهوم الهيمنة المخية,لأحد نصفي الكرة المخيين على الاخر . إن النصف المخي الايسر(وهو المسؤول عن الكلام وفهمه عند الغالبية العظمى من الناس) يرتبط بسلسلة من المعالجات التحليلية واللغوية للمعلومات وترتبط بذلك ايضا,خصوصية الأذى الذي قد يصيب أجزاء هذا النصف المخي,منعكسا بأشكال اضطرابية في الوظائف اللغوية,وهي ذات طابع خطير وتسمى بأضطرابات الحبسة اللغوية(في مجال ارسال الكلام وأستقباله).أما الصفة المميزة للنصف المخي الايمن فهو النشاط الكلي الذي يقرر طبيعته الأقل تنوعا,من الناحية الوظيفية.ومن الاسباب التى أدت الى الاقتناع بعدم الحديث عن هيمنة النصف المخي الأيسر,هو الحقيقة التي تؤكد أن النصف المخي الأيمن يظهر كفاءة عالية في إنجاز المسائل التي تتطلب تحديدات مكانية,مثل الرسومات والانفعالات.

كما لوحظ أيضا,اختلاف في وظيفة المخ عند الرجال والنساء؛حيث يبدو الرجال أكثر هيمنة جانبية,سواء في المعالجات اللغوية,أو غير اللغوية.ويلاحظ لدى الرجال هيمنة واضحة ومميزة لنصف المخ الايسر,عند أنجاز المسائل ذات الطبيعة اللغوية,أما بالنسبة للمسائل ذات الصلة بالمعرفة البصرية /المكانية,فتستدعي لديهم دورا أكبر للنصف المخي الأيمن.وقد تم التأكد من هذه المعطيات,سواء عند الأشخاص الأصحاء,أو عند الذين تعرضوا لأصابات في المخ.

إن هذا اللاتناظر المذكور اعلاه,لم يبدو واضحا بنفس الدرجة لدى النساء,كما يلاحظ لديهن سيطرة واضحة للنصف المخي الأيمن,عند أستقبال المثيرات المرتبطة بالانفعالات,مثل تعبيرات الوجه.ومن الضروري الاشارة هنا,الى أن النساء يستقبلن االاشارات غير اللغوية بشكل أفضل,ومن ضمنها أيضا الاشارات التي يرسلها المرسل تلقائيا.

وتؤكد الأبحاث المعاصرة أن الانقسام التقليدي لنصفي الكرة المخيين,المرتبط بالنشاطات اللغوية وغير اللغوية,ليس كما هو متوقع,حيث يلاحظ أن الضرر الذي يصيب نصف الكرة المخي الايمن,يمكن أن يؤدي الى اضطراب في الكلام,على الرغم من أنه أضعف,قياسا بالضرر الذي يصيب نصف المخ الايسر.ويلاحظ قبل كل شيئ اضطراب في فهم الموضوعات المركبة,وبشكل خاص في فهم النكات,والامثال ومعنى القصص.

وتتضح لدى المرضى المصابين بأضرار في النصف الأيمن للمخ,صعوبات في تمييز المظاهر الانفعالية للحديث,كما أكد ذلك كل من العالمين واطسون وهيلمان؛فقد تبين أن المرضى المفحوصين من قبلهم,والمصابين بشلل في نصف الكرة المخي الأيمن,لم يستطيعوا تحديد طبيعة الانفعال,الذي يتضمنه الموضوع المعروض عليهم.كما تم التأكد أن الاشخاص الأصحاء لديهم اتجاه واضح للنظر الى اليسار,عند الاجابة عن سؤال يثير الانفعالات.وهذا يؤكد كما هو معروف, التدخل الكبير لنصف الكرة المخي الأيمن.وبالمقابل,فان المسألة التي تستدعي معالجتها معلومات لغوية,تدفع الشخص الى النظر الى الجهة اليمنى.

وكذلك في الحالات التي طلب فيها,من المفحوص,شرح الحالة المزاجية,المتضمنة في الموضوع الموجه اليهم,عن طريق الأذنين,في وقت واحد,فقد لاحظ الباحثون الهيمنة الواضحة للأذن اليسرى؛أي النصف المخي الأيمن.ولابد من التذكير هنا,أن النصف المخي الأيمن يستقبل الايعازات من الجهة اليسرى للجسم,نظرا لتقاطع الطرق العصبية,قبل وصولها الى مراكز الدماغ المناسبة.

وتؤكد المعطيات اعلاه,وجهات نظر العالم جاكبسون,من ان نصف الكرة المخي الأيمن مرتبط بالانفعالات,كما يمكن من التعبيرات التلقائية,والتي لايحتاج تكوينها إلى وعي أو منطق.أما النصف المخي الأيسر,فهو مرتبط بالبناء الواعي والمنطقي والمتماسك في الموضوعات.وتشير بعض الأبحاث,الى الامكانات اللغوية, للنصف المخي اللأيمن,عند المرضى الذين أجريت لديهم عمليات جراحية في الطفولة المبكرة,في حالة قطع الجسم الثفني(الجاسيئ).وكذلك إمكانات لغوية محددة,لدى المرضى المصابين مبكرا بعطب في النصف المخي الأيسر.وأن ظهور إمكانية المعالجات اللغوية,عند هؤلاء المرضى,يقع ضمن عملية التعويض في الوظائف المضطربة,كما هو الحال في العلاج الطبيعي مع المرضى المصابين بأضطرابات الحبسة اللغوية.أن هذه الامكانات لاتعكس أبدا القدرة الوظيفية للنصف المخي الأيمن عند الأصحاء.

وفي الموضوعات الكتابية,التي تم الحصول عليها من المرضى المصابين بأمراض في الجزء الأيمن من المخ,فقد لوحظ لديهم,بشكل رئيسي,صعوبات في التنظيم المكاني لهذه الموضوعات,كما هو الحال في الشلل المخي للأجزاء الخلفية والأمامية للمخ. وقد طلب من أحد المرضى أن يكتب وصفا لقرية,فبدأ الكتابة,تاركا نصف الورقة من جهة البدء بالكتابة,وتاركا فراغات كبيرة,ولكن الكتابة كانت متفقة مع قواعد الأملاء الصحيح.

ويستنتج من الملاحظات أعلاه,أن نصف الكرة المخي الأيمن لايلعب دورا أساسيا في بناء الموضوعات اللغوية,على الاقل عند الاشخاص الأصحاء,ولكن دوره في أستقبال هذه الموضوعات أكبر مما كان متوقعا. إن هذه الأمكانيات المحدودة للنصف الأيمن تكمن في فهم الأشياء الملموسة,مثل العبارات البسيطة,والعلاقات الدلالية بين المفردات التي تتكرر في أغلب ألأحيان.أما بالنسبة لتمييز الوقت,والعمليات الحسابية المعقدة,والمبني للمجهول,والمبني للمعلوم,فهذا غير ممكن.إن المهم والضروري هنا هو المعطيات التي تؤكد لنا إمكانية النصف الأيمن في معالجة المعلومات غير اللغوية,والتي تسمح بالفهم الدقيق للمتحدث,على سبيل المثال,إيماءات الوجه والحركات الحية المعبرة,والتي بدونها يصعب علينا فهم غايات المتحدث,أن لم تكن في أحيان كثيرة متعذرة تماما.ويمكن للمقارنة الاتية أن توضح الخصائص الوظيفية,لكل جانب من جوانب المخ :

نصف المخ الأيمن  نصف المخ الأيسر
حدسي عقلي
يتذكر الوجوه يتذكر الأسماء
يستجيب للتوجيهات المصورة,أو الرمزية يستجيب للتوجيهات الكلامية,وللشروح

يجرب بطريقة عشوائية

 يجرب بطريقة نسقية

وأقل قيودا

مع التحكم

أحكامه ذاتيه

أحكامه موضوعية

منطلق وتلقائي

مخطط ومنسق

يفضل المعلومات غير المؤكدة,المراوغة

يفضل المعلومات المؤكدة الثابتة

يعتمد على الصور في التفكير وفي التذكر

يعتمد على اللغة في التفكير والتذكر

قارئ مركب

قارئ محلل

يفضل الرسم والتعامل مع الأشياء

يفضل الكلام والكتابة

يفضل الأسئلة المفتوحة

يفضل أختبارات الأختيار من متعدد

أكثر حرية مع المشاعر

يتحكم في المشاعر

يجيد تفسير لغة الجسد

لايجيد تفسير لغة الجسد

يستعمل الاستعارة كثيرا

يستعمل الاستعارة نادرا

يفضل الحل الحدسي للمشكلات

يفضل الحل المنطقي للمشكلات

وفي حين نستطيع أن نذكر اختلافات كثيرة,بين خصائص كل من الجانبين,فمن المهم أن نتذكر أنهما يعملان معا,بوصفهما فريقا, إذ إن الرسائل ترد وتصدر عن طريق الالياف العصبية التي تصل الجانبين,حتى أنهما يشتركان في معظم النشاط العصبي للمخ ,ويتطلب حل المشكلات قدرات الجانبين,وأفضل الحلول هي تلك التي يساهم فيها الجانبان معا.

للمزيد من التفاصيل في المراجع الآتية,في اللغتين البولندية والانكليزية: .

1) Code C. Language,Aphasia and the Right Hemisphere.Chichester:John Wiley,1987.
2) Kaczmarek B.L.J. Mozg, jezyk,zachowanie.Lublin:UMCS,1995a.
3) Kaczmarek B.L.J. Mozgowe organizacja mowy.AWHAD,1995a.
4) Luria A.R. The working brain.An introduction to neuropsychology.Allenlane.The Penguin Press,1976.
5) Maruszewski M. Mowa a mozg,Warszawa,PWN,1970.



.






 

free web counter