| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. عامر صالح

 

 

 

الأحد 1/3/ 2009



المظاهر السايكوثقافية للكلام
الجذور والممارسات

د. عامر صالح

"
الكلام الحسن درع"
                  ريختر

يعتبرالكلام من الموضوعات المهمة التي شغلت القدماء والمحدثين من علماء اللغة,والطب,والكلام,وعلم النفس,والتربية,وعلم الاجتماع,وغيرهم من العلماء في مجال التخصصات الاخرى,وقد اكد هؤلاء جميعا أهمية الكلام في القدرة على الاتصال,وعلى التوافق,وفي النمو العقلي والفكري والاجتماعي والنفسي....إلخ.

ان للكلام تاثيرا جوهريا على تطور الحضارة الانسانية,لاتتمتع به الكتابة بالاستشهاد في العديد من المجتمعات الانسانية التي تطورت وازدهرت,من غير ان تطور نظاما للقراءة والكتابة,ولانعرف حضارة كانت تفتقر الى الكلام.

لقد حاول الفلاسفة على مر العصور توضيح ما يميز الانسان عن غيره من المخلوقات,فوصفوه مرة بعد اخرى بأنه"كائن عقلاني"و"حيوان سياسي"و"حقيقة مفكرة"و"عنصر حر".اما في العصور الحديثة فقد اجمع العديد من الباحثين,في شتى مجالات المعرفة,على ان القدرة الكلامية هي الصفة الأسمى التي تميز الانسان.

وبهذا الصدد يجدر بنا الاشارة الى قول أ. كاسيرية:( بدلا من تعريف الانسان بأنه"حيوان عاقل" يجب ان نعرفه بأنه" حيوان رمزي"؛ ففي هذا التعريف يتضح ما يميزه فعلا,وما يفرق بينه وبين الانواع الاخرىمن الكائنات الحية,ومن هنا نستطيع فهم الطريق الخاص الذي سلكه الانسان الى الحضارة.

ومن الثابت أن التفكير الرمزي والسلوك الرمزي هما من ابرز المعالم التي تميز حياة الانسان,وان كل تقدم في الحضارة يركز على هذين العنصرين.

وكما هو معلوم,فان هناك انواعا من الرموز مثل:إشارات الحوار,وعلامات المرور,والرسومات والرموز الرياضية والكيميائية.ومع هذا تظل الكلمات تمثل لغة الرمز الاولى؛ فعن طريقها يستطيع الانسان
ان يكشف تماما عن حقيقته لنفسه وللاخرين في الصحة وفي المرض,ويستطيع ان يندمج بصورة فعالة في الحياة الاجتماعية,وعن طريقها يتبادل الخبرات والافكار.كما يستطيع برمجة ومراقبة نشاطه اليومي,واضفاء النظام والوعي على تراثه العقلي والفكري ,كما يسترجع الماضي بوضوح,ويتوقع المستقبل بفراسة,ويحتفظ في الذاكرة بتقاليد الشعوب المختلفة,ويعقد مقارانات خفية بين الثقافات المختلفة.

أن تعليم الكلام يلتقي على نطاق واسع والتكوين العقلي ولهذا فأن تعليم الطفل التحدث جيدا ما هو الا تعليمه التفكير جيدا,ولأن التفكير في حد ذاته ما هو الا تعبير وكلمة,فأنه لايمكن تعليم الطفل ان يفكر اولا لكي يقوم بعد ذلك بمطابقة كلماته مع افكاره,ولكن التفكير ينمو مع الكلام بصورة متوازنة في الحياة.ولهذا فأن الكلام يعطي التفكير انسجاما ووضوحا ولمعانا,بقدر ما تاحذ منه هذه الاشياء.

أما من الناحية الارتقائية فأن الطفل يبدأ بأكتساب الكلمات من المجتمع الذي يعيش فيه بوصفها أدادة فكرية,موضوعية مادية,خارجية في أول الامر ثم تصبح لغتة االخاصة الذاتية,فتدخل في كيانه الفسلجي المخي.والكلام ظاهرة اجتماعية من حيث المحتوى,نشأ وتطور عبر الاجيال,يكتسبها كل فرد في اثناء حياته اليومية من المجتمع الذي يعيش فية.واكتساب الفرد للغة من الناحية السايكولوجية يعني نشوء وظائفة العقلية العليا الاخرى التي لم تكن موجوده لديه فطريا,وابسط هذه الظائف والقدرات وأوضحها هي القدرة على سماع الكلام وفهمه,والقدرة على نطقه بعد ذلك,ثم القدرة قراءته,ولكي يحصل ذلك لابد من توافر الاساس الفسلجي,المتمثل في سلامة المخ,وفي سلامة السمع والبصر,وجهاز النطق,من جهة,وتوافر مجتمع يعيش فيه الطفل ويتزود بمحتوى الكلام عن طريق التعامل معه,من جهة اخرى.

ويلعب الكلام دورا رئيسيا في ضبط سلوك الاطفال وتوجيهه وجهة محددة عبر منظومة الممنوعات والمرغوبات في دائرة الثقافة السائدة للمجتمع.وخلال عملية التنشئة الاجتماعية المستمرة للفرد يتحول الكلام الى قوة ردع او قوة محفزة للسلوك,استنادا الى مطابقة محتواه مع النماذج الثقافية السائده.وبالتالي تصبح ثقافة الكلمة وتأثيرها جزء لايتجزء من الشخصية, وتشكل اطارها المرجعي في الممارسة الحياتية.ومن هنا نستطيع القول بأنه لا وجود للكيان الجسمي خارج اطار التأثير المباشر لثقافة الكلمة.

وهنا نستطيع الجزم بأن الانسان يتعلم بفعل الكلمة وتأثيرها المباشر كيف يمشي ويقف ويجلس,كيف يحرك اطرافه وعضلاته جسمه الارادية,يتعلم الحوار وآدابه,كيف يلبس ملابسه وكيف يكون عاريا,كيف يكون صديقا حميما او عدوا لدودا,كيف نكون شاكرين للأخرين او جاحدين لهم,كيف تكون جارا ودودا او ثقيل المعشر,كيف تبادل الحب بحس مرهف او لاتفقه لغة الحب,كيف نأكل ونشرب....الخ

وبفعل التأثير المزمن للكلمة في الشخصية نستطيع ان نعرف الى أية ثقافة فرعية(مهنية ومنا طقية وحتى حزبية)ينتمي الفرد:حلاقا ام مدرسا,سائقا ام مديرا,ندافا ام مهندسا؛من بغداد ام من العمارة,من الموصل ام البصرة,من النجف ام تكريت؛والى أي عقيدة ينتمي: اسلامي,يهودي,مسيحي,ليبرالي,اشتراكي,....الخ

ومن خلال المعايشة و التواصل الكلامي مع الافراد نستطيع ان نقف على الكثير من الصفات الشخصية لهم:عطوفا ام قاسيا,عاقلا ام متهورا,رذيلا ام محترما,خجولااو قبيجا,متكبرا او متواضعا,معتدلا اومتطرفا,حزينا اومتفائلا.....الخ

ولكي نضفي على غرائزنا المشتركة مع من تحتنا في المملكة الحيوانية بعدا انسانيا ,فما علينا الا بالكلمة..... وعندما تمضي الكلمة في الكيان الشخصي, فهي اما" سلاح دمار" شامل او "عسل شافي"......انها الكلمةإإإإ




 

free web counter