د. علي إبراهيم
تظاهرات ساحة التحرير والحرية الممنوعة
د. علي إبراهيم
قررت الحكومة السماح للجماهير بالتظاهر في ملاعب رياضية، بدلا من الساحات العامة، وربما يتبع ذلك منع الفضائيات من الوصول إلى هذه الملاعب، وقطع الطرق عليهم سواء السيارات أو السابلة، وعندما يتناقص العدد تصبح مهمة قوات "مكافحة" الشغب بالانقضاض على هؤلاء الأبطال سهلة ، فيما إذا ارتضوا بالأمر الواقع وقبلوا بقرار لا ينسجم مع مبادئ الديمقراطية، فيشبعوهم ضربا ويجروهم إلى المعتقلات، أو ينقلون صورا مشوهة عن نشاطهم السلمي ، أو يقلبون شعاراتهم ومطاليبهم العادلة.
لكن المتظاهرين كانوا مدركين بوعي تام حقيقة الفخ الذي نصب إليهم،فخرجوا يوم الجمعة 15/4 إلى ساحة التحرير، متحدين القرار اللاديمقراطي، والمنافي للدستور.
في كل الأحوال يبقى السؤال: لماذا هذا الخوف من جماهير مسالمة ؟ تريد إصلاح العملية السياسية. ولماذا كل هذه العرقلة؟ فمنذ بدء التحضير للتظاهرة قبيل 25 شباط 2011 والسلطات يضعون المعوقات لمنع الشعب من التظاهر ، ابتداء من جعل يوم الجمعة دواما رسميا، ومنع منحهم إجازة بالتظاهر، إلى منع التجول لوسائط النقل وللسابلة، إلى وضع جدران كونكريتية، يصعب تجاوزها، مرورا بالنداء الذي وجهته الحكومة على لسان رئيس وزرائها، الذي خاطب الجماهير "تظاهروا في أي يوم عدا يوم الجمعة 25 شباط -ومع ذلك لم تمنح إجازات لكثير من الفعاليات الجماهيرية سواء في بغداد أو في المحافظات-. وصولا إلى ضرب المتظاهرين بخراطيش الماء الحار، وبالسلاح الحي حتى روى الدم البرئ أرض التحرير. هذا فيما توفر التسهيلات لمظاهرات تنظمها قوى داخلة في حكومة المحاصصة، ولا علاقة لأهدافها بمعاناة الشعب العراقي، بل وتهدد العملية السياسية، وبالعودة إلى نقطة الصفر!
وأرجو أن لا يفسر قولي هذا وكأنه دعوة لقمع أصحاب الآراء التي قد أختلف معها؟ لأنني أؤيد حرية الرأي، وحق الآراء الأخرى بالتعبير، وباختيار الشكل والمكان والزمان والشعارات والأهداف. وضد الكيل بمكيالين.
وارتباطا بذلك أردت أن أذكر الصديق صلاح عبد الرزاق محافظ بغداد وعضو المكتب السياسي لحزب الدعوة الإسلامية، بالأيام التي كانت تجمعنا،عندما كنا ننظم المظاهرات معا في تسعينيات القرن الماضي في هولندا، كلما قصف الأمريكان المدن العراقية، فنخرج بمسيرة احتجاجية إلى السفارة الأمريكية (حليفة هولندا) وكان في مقدمة القوي السياسية العراقية الحزب الشيوعي العراقي والجمعية الثقافية العراقية (الإسلاميون)- التي كان يقودها صلاح عبد الرزاق وهي واجهة لحزب الدعوة- ولجنة التنسيق القومي ( التي تضم البعثيين المنشقين من جماعة قيادة قطر العراق، والحركة الاشتراكية...) وحركة المدنيين والضباط الأحرار والمستقلين وأبناء الجالية العراقية، بكل أطيافها.
وقتها كنا نقدم طلبا للبلدية في لاهاي نحدد فيه مكان انطلاق المظاهرة وزمانها وخط سيرها. وكفى ولم يكن للبلدية سوى الموافقة، مع تجهيز قوة كافية من الشرطة لحمايتنا...
ترى لماذا ينسي معارضة الأمس وحكام اليوم هذه الحقائق التي كانت إحدى علامات الأنظمة الديمقراطية ، والتي لم تأت صدفة، إنما كانت ثمرة لنضال شعبي مرير وتضحيات جسام، ثمرة تركزت وتعززت مع الزمن.
إن من واجب الحكومة أن تلتزم بالدستور وبحقوق الإنسان ، وتجنب الشعب مزيدا من الدم والدموع، وأن تفيد من تلك التجارب، كي يختزل الشعب العراقي سنوات الظلم والقمع والقهر وإلغاء الآخر وانعدام الحريات، ويساهم مساهمة فعالة في الرقابة الشعبية لإصلاح العملية السياسية. وفي بناء البلد وتقدمه وتطوره.
وفي الختام أقول إن الديمقراطية لا تتجزأ. وإن من يرفضها في ساحة التحرير، لا يمكن أن يمنحها في ملعب رياضي، أو في أي مكان آخر.