عدنان حسين
adnan255@btinternet.com
الطبقة السياسيّة في بغداد مغتاظة من "لاهوت التحرير" النجفي
عدنان حسين
في سابقة لا نظير لها منذ العام 2003 حمل أحد السياسيّين العراقيّين على المرجعيّة الشيعيّة في النجف متهماً إياها بالسعي للسيطرة على الدولة، وهو ما أثار ردود فعل مناهضة قويّة في الأوساط السياسيّة والثقافيّة قبل الدينيّة.
وهذا السياسي هو النائب عن ائتلاف "دولة القانون" عزت الشابندر الذي كان مقرّباً من رئيس الوزراء نوري المالكي وأحد الناطقين باسم الائتلاف. وهو كان نائباً عن الكتلة المناوئة ائتلاف "العراقيّة" قبل أن يتحوّل إلى كتلة رئيس الوزراء. لكنه لم يفز في الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة، فمنحه المالكي كرسيه البرلماني عندما اختير رئيساً للوزراء.
في تصريحَين صحافيَّين متتاليَين خلال الأسبوع الأول من شهر آب/أغسطس الجاري، قال الشابندر إن "المرجعيّة الدينيّة تحاول انتزاع موقع الولاية عن الدولة من خلال استقطاب مشاعر الناس". وأشار إلى أن "لدى المرجعيّة الدينية ومعظم رجال الدين موارد ماليّة هائلة". ثم سأل "من يحاسبهم؟ ومن هي السلطة التي تشرف على صرف الموارد الماليّة؟".
وعلى الرغم من أن المالكي تبرأ بنفسه من تصريحات الشابندر وأعطى الأوامر بأن يتوقّف عن التحدّث باسم دولة القانون، إلا أنه من المرجّح أن الشابندر لم يتصرّف لحسابه الخاص وإنما لحساب دولة القانون، وهذا ما أفصح عنه هو بنفسه عندما برّر كلامه ضدّ المرجعيّة قائلاً بأنه جاء "بعد استهانة المرجعيّة الدينيّة وممثليها في خطبهم الأخيرة، بالدولة العراقيّة ورجال السياسيّة والمسؤولين وقد اتّهموهم بانعدام الضمير". وهذه إشارة واضحة إلى قيام مرجعيّة النجف في خلال السنة الماضية بتصعيد لهجتها ضدّ النخبة السياسيّة وتحديداً الحكومة، بسبب الإخفاق المتواصل في حفظ الأمن وتقديم الخدمات العامة وتحسين مستوى المعيشة. وعلى مدى السنتَين الماضيتَين رفضت المرجعيات الكبيرة في النجف استقبال الزعماء السياسيّين المشاركين في الحكومة بسبب عدم إيفائهم بوعودهم الانتخابيّة.
وفي الأشهر الأخيرة ارتفعت وتيرة الانتقادات الموجّهة إلى حكومة المالكي وعموم الطبقة السياسيّة، من قبل اثنين من كبار ممثلي مرجعيّة آية الله علي السيستاني يتناوبان على إلقاء خطبة الجمعة في كربلاء والتعبير عن مواقف مرجعيّة النجف. وفي الأسبوعَين اللذَين سبقا تصريحات الشابندر، عبّر أحد هذَين الممثلين وهو أحمد الصافي بلهجة غاضبة عن فقدان الأمل بإمكانيّة أن يُصلح مسؤولو الدولة أنفسهم وقد وصفهم بأنهم "بلا غيرة". وهذا تعبير بالغ القوة. أضاف أن "المواطن العادي أصبح يستغيث من كثرة الأزمات واستمرار القتل العشوائي والتفجيرات".
وقبل ذلك بأسبوع واحد، استخدم الممثل الآخر عبد المهدي الكربلائي من جهته تعبيراً قوياً أيضاً للتنديد بحال التسيّب في الدولة الذي وصل إلى حدّ نجاح تنظيم دولة العراق الإسلاميّة (فرع تنظيم القاعدة) في إطلاق مئات من عناصره المعتقلين في سجون في بغداد بكلّ يُسر. وقال الكربلائي إن "عمليّة تهريب السجناء من أبو غريب والتاجي هي فضيحة ما بعدها فضيحة وتؤشّر إلى مدى هشاشة وضعف الاستعدادات الأمنيّة الحكوميّة". واعتبر أن "عمليّة تهريب عتاة مجرمي القاعدة هي إساءة للأجهزة الأمنيّة وضربة للشرف العسكري العراقي، وهي دليل على وجود خلل أمني جذري فاضح في المنظومة العراقيّة".
وانتقد الكربلائي أيضاً مجلس النواب لاهتمامه بإقرار ميزانيته فوراً وعدم الاكتراث بقضيّة هروب عناصر القاعدة. وسأل "في أي أجواء يعيش الشعب العراقي وفي أي أجواء يعيش النواب وبماذا ينشغلون؟".
لاقت انتقادات ممثلَي المرجعيّة العلنيّة والمتكرّرة اهتماماً كبيراً من قبل الرأي العام، وقد بدا ذلك واضحاً من خلال نشرها على الصفحات الأولى للصحف وبثّها في نشرات الأخبار على الفضائيّات وعبر أثير الإذاعات. فقد وجد الناس المهمَلون والمهمّشون في خطب يوم الجمعة في كربلاء صوتاً ناطقاً باسمهم ورأوا في المرجعيّة سنداً لهم، واعتبرت أن الدور الذي أخذت تلعبه يشبه إلى حدّ كبير موقف لاهوت التحرير في أميركا اللاتينيّة في سبعينيّات القرن الماضي، حيث انحازت الكنيسة إلى جانب المحرومين ضدّ النخب الغنيّة ولم تتردّد في تأييد الحركات الثوريّة.
بالتأكيد، أغاظ موقف المرجعيّة هذا السياسيّين كثيراً، بخاصة رئيس الوزراء وفريقه. فهذا الموقف يقلّل كثيراً من فرص فوز هؤلاء السياسيّين في الانتخابات البرلمانيّة المقرّر إجراؤها في ربيع العام المقبل. أما تصريحات الشابندر، فأتت صرخة منفلتة لكبح دور مرجعيّة النجف الذي أحبّه الناس.
المونيتور ، نبض العراق
الأثنين 19 / 8 / 2013