|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  23  / 7  / 2025                                 د. أكرم هواس                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

غزة… "ما بعد التاريخ"
(1)

د. اكرم هواس *
(موقع الناس)

ما يحدث في غزة لا يحتويه الكلام… و لذلك منذ آخر مقال عن السيطرة الأمريكية آثرت الصمت … لان غزة قد تم عزلها نهائيا و تحولت إلى شيء آخر تماماً… في حين ان مستوى العنف الذي تتعرض له هذه المدينة و شعبها .. يعلو على كل شيء آخر … ليس فقط بسبب ما يسميه البعض إبادة جماعية .. و اخرون … مأساة إنسانية .. و هكذا … بل لان ما يحدث في غزة يمثل حالة خاصة لم يحدث مثله في التاريخ رغم ان الذاكرة التاريخية تذكرنا بآلاف المجازر في هذا البقاع او ذاك من العالم … لكن الموضوع يختلف هنا .. لماذا و كيف ..؟؟..

بداية اتمنى ان يتحملني من يقرأ هذه المقالة لأنني سأطرح تصورات خارج الصندوق … كما يقال… ليس فقط في بناء الفكرة و اينما ايضا ما قد يفهمه البعض في مساس لكرامة الانسان و حقه في الوجود ..!!..

مبدأيا .. الفرضية العامة للفكرة هي ان ما يحدث في غزة لم يعد يتعلق بالكلاسيكيات .. الدولة الفلسطينية .. الصراع العربي الاسرائيلي… الجدال التاريخي بين العرب و اليهود .. الصراعات و تقاطعات العولمة و المصالح بين القوى الاقليمية… صراع الهيمنة بين القوى الكبرى…. خيانة هذا الطرف .. او تنازل ذاك الطرف .. العلاقة الخاصة بين اميركا و إسرائيل …ووو… الخ… ليس لان هذه العوامل لم تعد ذات تاثير بالنسبة للقضية الفلسطينية و انما لان التطور التكنولوجي قد احدث نقلة نوعية في مستوى فهم و ادارة كل الحدود و المصالح و التقاطعات التاريخية في العالم ..

بكلام آخر … نحن لا نتحدث هنا عن نظرية المؤامرة التقليدية لتمرير مصلحة هذه الجهة او تلك .. بل عن نقلة نوعية في المفاهيم و الأولويات حيث يتم اختزال كل شي… الجغرافية و التاريخ و المصالح و كل القيم المرتبطة بها من حيث مركزية الذات و العلاقة مع الاخر .. مفهوم الفرد و الجماعة … مفهوم الانتماء و الانا "الفردية و الجمعية "… و هكذا …

لاشك ان هناك أفراد و جماعات بشرية ما تزال تعمل وفق المعادلات التاريخية للامة و الشعب و الوطن .. الخ… لكنها رؤيتها و مفهومها لهذه المعادلات اختلفت جوهرياً حيث اختفت الحدود الكلاسيكية و اختزلت بشكل احادي ضيق إلى مستويات يصعب معها وضع اية آليات فاعلة للترابط بين قواها و جعلها تتفاعل "ايجابياً" إلا من خلال الفوضى التي لا تبقي على الكثير من عوامل اعادة البناء مرة اخرى ..

حتى لا نطيل في هذا النقاش النظري و نقترب من واقع غزة و أهوالها فإننا يمكن ان نتصور ان غزة دخلت منذ اكتوبر العام الماضي في عملية نمذجة خارقة لدراسة سلوك الإنسان في التعامل مع كل أنواع الحياة القاسية .. من خلال فرضية عامة حول امكانية اعادة الإنسان إلى مرحلته البدائية "ما قبل الدخول في الغابة" في اكتشاف الذات و ايجاد الوسائل البدائية في الحفاظ على الحياة وسط صراع مفتوح مع المحيط بما فيها الاخر…

لماذا غزة … سؤال جوهري سنناقشه في مقالة لاحقة … لكن يمكننا هنا ان نفترض ان غزة تمثل نموذجاً استثنائيا يختلف عن اية مجموعة بشرية اخرى في واقع التوزيع الجغرافي في عالم اليوم .. اما المشروع الدراسي ذاته فهو يعتمد اولا على تفكيك البنية النفسية - الاجتماعية
Socio-Psychological structure .. اي كل الأواصر البشرية التي نشأت و تطورت منذ بداية التاريخ و إلغاء كل التعاقدات و القيم بين الأفراد و مسح ذاكرة التجارب التاريخية في التنظيم الاجتماعي و ادارة المارد و توزيعها و هكذا …

و اعتقد ان غزة و اهلها ما زالوا في المرحلة الاولى من المشروع و هي مرحلة التفكيك
Deconstruction حيث تدخل عوامل متناقضة في حياة المحاضرين منها الوعود السياسية بايجاد حلول حيث يكمن الهدف في خلق شروخ متواصلة في معادلة الثقة .. الثقة بالذات و الثقة بالآخر … الثقة بالكلام و الحوار مقابل استخدام العنف للخروج من الازمة.. و منها ادخال بعض المساعدات بطريقة مهينة … إسقاط المساعدات من السماء .. او في البحر … خلق مجموعات تستولي على هذه المساعدات و تبيعها بأسعار خيالية و هكذا… و الهدف هو خلق الصراعات و بذلك زيادة عمليات التفكيك بين "مصلحتي و مصلحتنا"… و "حياتي و حياتنا"…

هناك جزء أساسي و مهم جدا في هذا المشروع و هناك فسح المجال امام كل وسائل الإعلام العالمية و المحلية في نقل حي
Live Reality TV و مستمر لكل حدث هناك … قصف مستشفيات و قتل طوابير انتظار المساعدات … الأوامر المستمرة للناس في ترك هذه المنطقة او تلك من غزة حيث لا مكان للاستقرار و الناس .. الناس كلها في حركة دائبة للبحث عن اي مكان لالتقاط الأنفاس …

هنا يتم مراقبة
Observation سلوك كل الأفراد .. نساء و رجالا و أطفال .. المرضى و الجوعي و المسنين و الشباب الذي ما يزال يحتفظ ببعض قوته … يتم مراقبة تحمل كل فرد لهذه الحياة القاسية و المهينة و كذلك مدى تحمل الناس لبعضها و محاولة مساعدة البعض و إظهار الرأفة و الإنسانية و قيم التضامن … او التحول إلى اللا مبالاة و من ثم استخدام العنف ضد بعضها البعض و هكذا ..
في مراحل قادمة ستدخل آليات جديدة ستكون اكثر قساوة و اكثر دقة في تحديد سلوك الأفراد و مآلات التطور الاجتماعي
Evolution لشعب غزة .. و لا ادري كيف ستنتهي .. لكن ليس من المتوقع ان تجد نهاية يحتفظ الانسان فيها بأية نسبة من القيم التي "كنا" نسميها إنسانية في مرحلة سابقة ..

الان.. السؤال الذي يطرحه الجميع … هو: من المسؤول عن المشروع و ما هي الجهات التي تديرها و ما هي علاقة الولايات والمتحدة و إسرائيل و القوى الدولية و الاقليمية الأخرى بهذا المشروع ..؟؟… و طبعا السؤال الاهم : لماذا غزة ..؟؟.. نحاول مناقشة هذه الاسئلة في المقالة التالية …

حبي للجميع
 

* اكاديمي عراقي - الدنمارك

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter