| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 23 / 12 / 2011 د. أكرم هواس كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
اوراق مؤتمر ستوكهولم ..3
ورشة التنميةد. اكرم هواس *
(موقع الناس)
المقالة الثانية في هذه السلسلة خصصتها للحديث عن الثقافة العامة التي تحدد الكثير من توجهاتنا ومفاهيمنا منها قضية التنمية. وكان لابد من تناول واحدا من اهم العناصر الثقافية وهو الدين واختيار الاية القرآنية جاءت لانها توفر مفهوما يتفق عليه الجميع تقريباً ليس فقط المؤمنون بالديانات الاخرى غير الاسلام و انما ايضاً المؤمنون بالفكر الماركسي الذين يؤمنون بقيام الشيوعية في مرحلة تالية من التطور الانساني اما الليبراليون فقد اعلنوا فعلاً نهاية التاريخ وانتصار الحرية على لسان فوكوياما.
على كل حال فاننا سنواصل الكلام عن ذات الموضوع في هذه المقالة ولكن بإدخال عناصر اخرى تنبع من ارهاصات التطور الحديث في ادبيات العلوم المختلقة ومنها علوم الاجتماع وخاصة علم الاجتماع السياسي والتنموي و كذلك علم الاقتصاد السياسي و غيرها.
اجواء المؤتمر لم تختلف كثيراً عن الاجواء العامة في كثير من بلدان العالم ، والعراق ليس استثناء في الحديث عن مصطلحين مهمين وهما الديمقراطية وخاصة مصطلح المشاركة في العملية التنموية وكذلك مصطلح التنمية المستدامة او المستديمة. و طالما انني كنت مشاركا في ورشة التنمية فان هذين المصطلحين تكررا بشكل او بأخر ولكن رئيس الورشة و هو موظف في السفارة العراقية في ستوكهولم وبدرجة وزير مفوض فقد اضاف ايضا وباصرار شديد مصطلح الوطنية.
و لكن قبل ان نناقش هذه المصطلحات من زاوية علم الاجتماع السياسي ، دعنا نضعها في زاوية الممارسة العملية من خلال الاداء و العلاقات التي سادت النقاشات داخل ورشة التنمية في المؤتمر وهي الورشة التي كنت مشاركاً فيها.
كانت ورشتنا هي من اصغر الورش وربما اصغرها على الاطلاق (هناك شكوك حول ورشة المرأة كما ذكرت في المقالة الاولى). ورشة التنمية تألفت من مجموعة صغيرة.... كان هناك اربعة موظفين حكوميين و هم رئيس الورشة و مدير من وزارة الهجرة عمل اثناء الجلستين العامتين الافتتاحية و الختامية كمقدم للشخصيات التي القت كلمات على المسرح, ثم كانت هناك موظفتان احداهما من وزارة الصناعة والاخرى من وزارة الخارجية. اما المشاركون فكانوا خمسة منهم سيدة اعمال ومعلم او تربوي وطالب ماجستير ومهندس واخيرا انا حيث كنت الوحيد الذي يحمل شهادة دكتوراه في التنمية بينما الوزير المفوض يحمل كذلك شهادة دكتوراه و لكن في الفلسفة. في الجلسة الثانية بعد الظهر انضم الينا شاب اخر كان طالبا جامعيا وفي اليوم الثاني انضم ايضا طالب جامعي اخر واخيرا قبل اختتام جلساتنا بحوالي نصف الساعة انضم الينا مهندس خبير ولكن للاسف كان الوقت قد انقضى تقريباً.
بدأ الوزير المفوض الذي كان يتمتع بروحية ودية جدا بل و بأعلى درجات المرح والفكاهة والسلاسة بتقديم ما سماه هو مفهوم التنمية ولكنه في الحقيقة كان تقديماً طويلاً جداً لتاريخ تطور المفهوم فابتدأ بالمفاهيم الكلاسيكية و عرج الى مفاهيم حديثة ولكنها عمومية جداً واستغرق ذلك كل الوقت المخصص للجلسة الصباحية. حاول زميلي المهندس الذي كان يجلس بجانبي ان يطلب من الوزير المفوض تحديد وقت لكل مشاركة لكن دون جدوى و حاولت انا مقاطعة السرد الطويل و دفع الجلسات الى مناقشات حول متطلبات التنمية في الوضع الحالي في العراق, ولكن ايضا دون جدوى. فكان الاستاذ الجامعي سابقاً و الوزير المفوض حالياً مصرا بكلامه المعسول ان يعيدنا في كل مرة الى ذات المسار اي تكملة محاضرته التاريخية.
في هذه الاثناء كانت تحدث بين الفينة و الاخرى ايضاً اقتحامات الموظفين المتكررة ثم الوزير و حاشيته كما ذكرت في المقالة الثانية, و لكن بعد جهد جهيد حوّل رئيس الورشة الكلمة الى المدير او موظف وزارة الهجرة الذي تحدث ايضاً باسهاب عن المشاكل المتعلقة بعمل وزارته خاصة ظروف الحرب الاهلية و غيرها. تبعته موظفة وزارة الصناعة التي ذكرت بايجاز ظروف العمل في دائرة الاستثمارات في وزارتها. وقد طرحت عليها ثلاثة اسئلة تتعلق بالاولويات و مستوى التنسيق الامني و قانون المشاركة الاستثمارية و قد جاءت اجوبتها في غير صالح عملية تنموية (سأعود الى هذه القضايا لاحقا).
في الجلسة المسائية جاء دوري للكلام لان موظفة الخارجية كان عملها مقتصراً على تسجيل مداخلاتنا والتوصيات ليس الا و قد ارهقت شديداً مما دفعني للتعاطف معها و لكن للاسف دون ان استطيع ان اقدم اية مساعدة. كنت قد اعددت ورقة لتقديمها للمؤتمر وقد بعثت بعنوانها و ملخص عنها الى المنظمين قبل ايام (شرحت بعض عناصرها في المقالة الثانية و سأكمل لاحقاً) لاني كنت اعتقد انني مثل كل المشاركين الاخرين سأحظى بفرصة عرضها ولكني اكتشفت ان الوقت قد ضاق علينا بشكل كبير, ولذلك دخلت بشكل مباشر وطرحت ضرورة اعادة هيكلة السياسات التنموية. طلبي احدث نوعاً من المفاجأة فأنكره رئيس الجلسة اما زميلي المهندس فقد فاجأني بسؤال وان بدا بسيطاً الا انه كان ذا دلالة فلسفية عميقة يؤكد ما ذهبت اليه في المقالة عن الثقافة الابوية العامة و لكنه ايضا كان سؤالاً محيراً بشأن ما يمكن عمله ازاء هذه الحالة. سألني (هل يجب ان نغير الشعب العراقي ؟). للحظة ما احسست انني امام معضلة حقيقية لان التنمية تحتاج فعلا تغييراً اجتماعياً و ثقافياً و هو امر غاية في التعقيد وسبق وان كتبت مقالات عديدة عنه ولكن هل يمكن الحديث عنه في هذه المناسبات السريعة ؟ و لذلك كان جوابي (لا.. طبعاً... و لكن يجب تغيير اشياء كثيرة منها طريقة التفكير و طبعاً الهيكلية العامة في ادارة عملية التنمية.... ينبغي على الاقل ان تكون لدينا اولويات و قبل كل شيء لابد ان نعرف لماذا نريد التنمية و اية تنمية نريد.... في مرحلة ما طغى مفهوم (الكتش اب) او اللحاق بالقطار و كان محوره انه يجب ان نتطور بسرعة و الا تسبقنا الامم الاخرى ونكون بذلك خارج التاريخ كما اكد ذلك اصحاب مدرسة التطوريين و التبعية – انظر مثلا كتابات فوزي منصور وسمير امين. رغم اهمية هذه الفكرة والاسس العلمية التي تستند اليها الا انها خلقت هستيريا دفعت بلداننا الى اختيار اولويات اطاحت بما كان موجوداً و لم يستطع بناء اسس تنموية جديدة).
بالمناسبة كنت قد تحدثت بهذا الموضوع في مناسبات متعددة مع الاخوة الباحثين و منهم سمير امين نفسه في مركز البحوث العربية و الافريقية في القاهرة والذي ينتمي اليه افضل الباحثين في مدرسة التطوريين و التبعية و دخلنا في نقاشات كثيرة و هناك من كتب عن هذا الموضوع بالفعل.
على كل حاولت ان اوصل هذه الفكرة بشكل اكثر واقعية فقلت لهم ان اعادة الهيكلة ليس امراً جديداً فهو يشكل دوماً اهم شروط البنك و صندوق النقد الدوليين في منح قروض تنموية الى الدول النامية و الواقع التاريخي يخبرنا ان هذه الشروط قد ادت الى مشكلات كثيرة بل و ازمات مثل ثورة الخبز في مصر سنة 1977 , ثم ان هناك كلاماً الان عن مفاوضات بين العراق و هاتين المؤسستين العالميتين و لذلك اتساءل... لماذا يجب ان نقبل بشروط هؤلاء التي ستزيد من ازماتنا و لا نعيد بانفسنا هيكلة سياساتنا وفق ما يتفق مع واقعنا و مستوى التطور لدينا ؟
بعد ذلك طرح زميلي المهنس بعض الافكار المهمة حول مشاريع ومبادئ مهمة يمكن ان تدخل ضمن دائرة اعادة الهيكلة و كذلك فعل الطالبان الجامعيان خاصة طالب الماجستير الذي يدرس الطاقة البديلة اما الاستاذ التربوي فقد اعلن صراحة تأييده لاعادة الهيكلة و قدم افكارا مهمة بهذا الشأن و قدمت سيدة الاعمال ايضا افكارا مهمة حول مشاريع محددة. اما المهندس الخبير الذي انضم الينا في اللحظات الاخيرة و الذي لم يتسنى له الاطلاع على ما كان قد دار بيننا من نقاشات فقد طالب بشكل واضح ايضاً باعادة الهيكلة و قال شيئاً و هو يستمع الى توصياتنا... (ان هذه التوصيات لا قيمة لها فهي كانت موجودة في كل القرارات التي كانت تصدر في حقبة النظام السابق و انا قرأت الكثير منها و هي تصدر الان في قرارات حكومة اقليم كردستان لكني اطلعت على بعض المشاريع العمرانية وشخصت مشاكل خطيرة و مهمة.... اننا نحتاج الى تغيير فعلي و ليس الكلام فقط)..... كلامه احدث تغييراً مهماً حيث آنذاك اقتنع رئيس الورشة ان يدرج مسألة اعادة الهيكلة في التوصيات و هكذا كان.
هنا اود ان الخص سبب ذكري لهذه التفاصيل و كيف ترتبط بالسياق العام لاشكالية التنمية خاصة في البلدان النامية......الملاحظة الاولى : انني لم اذكر اي شخص بالاسم لاحترامي الشديد لخصوصية كل المشاركين و حقهم في ابداء رأيهم لانهم قد لا يتفقون معي او حتى يعارضون رأيي شأنهم في ذلك شأن اي شخص اخر حضر المؤتمر او لم يحضر من الذين يقرأون او يسمعون بهذه المقالات. فانا اكن كل الحب و الاحترام لكل زملائي في الورشة والاخرون و هدفي هو تقييم عملنا على اسس الشفافية و طرح الاراء المختلفة. لكن اود ايضاً ان اؤكد ان علاقاتنا في الورشة كانت على اعلى درجات المودة و الاخوة و الصداقة و الاحترام و هذا شيء ايجابي لاننا رغم هذا كنا نتناقش و نطرح اراء مختلفة دون ان يؤثر على علاقاتنا الطيبة. اشكرهم على ذلك.
الملاحظة الثانية : و لكن طبيعة العلاقات الطيبة لم تلغ وقائع اخرى... نعم لقد كان هناك بضع محاولات لشخصنة الاراء المطروحة كما جرت محاولات حثيثة لتسييس مسار مناقشاتنا, و كان لابد من رفض هذه المحاولات بشكل قطعي. على هذا الاساس ابديت اعتراضي الشخصي لادخال مصطلح الوطنية لانه مصطلح قد تم تسييسه بشكل كبير عبر العقود الماضية اي منذ بدايات تأسيس الدولة العراقية الحديثة و قد ادى ذلك الى ارسال الكثيرين الى السجن و مشانق الموت بسبب التعريف الانتقائي لهذا المصطلح , كما انه وفي مجال التنمية فان الوطنية تعني اشياء اخرى غير الحديث السياسي الذي يرتكز الى و يبرز مقولات تبث التفرقة مثل (قتلونا...نحن ضحايا... دمرونا... الخونة... القوى الوطنية... القوى العميلة... الخ). سأناقش بتفصيل اكثر هذا المصطلح وغيره من وجهة نظر تنموية في مقالة قادمة.
الملاحظة الثالثة : ان هذه التفاصيل تؤشر الى البون الشاسع بين الالتزام بالثقافة الابوية والمسلمات القطعية للسلطة و حرية التفكير... لابد ان نتذكر هنا ان التنمية هي المحصلة التفاعلية بين القدرة و العجز او الامكانات والمعوقات. و في هذا الصدد فان هناك مئات الدراسات التي تضع البيروقراطية ضمن احد اهم هذه المعقوات للتنمية في كل العالم و خاصة في الدول النامية لان الاسس البيروقراطية قد وضعت في مرحلة تاريخية تجاوزها الزمن, ثم ان هناك نقطة غاية في الاهمية و هي ان هذه الاسس البيروقراطية قد وضعت خارج اطار الرؤية والاهداف التنموية.
الملاحظة الرابعة : ان الهياكل الموجوة يتم تجاوزها بشكل انتقائي من قبل المستثمرين مستغلين حاجة العراق الضرورية للتنمية و لكن النتائج المستحصلة تؤشر الى فوضى ستخلق مستقبلاً مصاعب لا يمكن تصورها الان وستؤدي بشكل كبير الى خسائر هائلة ليس في الاموال و لكن ايضا في الوقت لان كل يوم يمر و كل مشروع يقام دون رؤية تنموية واضحة سيكون وبالاً جديداً و معوقاً تراكمياً يصعب اعادة هيكلته.
الملاحظة الخامسة : هناك خرق واضح لابسط قواعد السياسة التنموية المتبعة في الدول النامية و هي بالاضافة الى قضية الاولويات تتعلق بقوانين حماية حق المواطن عن طريق توفير الافضلية له في العلاقة بين المستثمر الاجنبي و المحلي. هنا اتحدث بشكل خاص عن قانون تحديد نسب المشاركة بين الطرفين حيث تقتضي قوانين الدول النامية على ضرورة تمتع الشريك المحلي بنسبة تفوق النصف بينما اكدت الموظفة في دائرة الاستثمارات في الصناعة عندما سألتها عن هذه القضية بان النسبة الحالية في العراق هي عكسية و بشكل فاضح حيث يتمتع الاجنبي بنسبة 76 % و العراقي بنسبة 24 % فقط. اذا كان هذا الامر ينطبق بشكل عام على قانون الاستثمار فاننا ازاء مشكلة كبيرة لان الاستمرار في تطبيقه سيؤدي الى تمليك الاجنبي للبنية التحتية و هذا يتعارض بشكل جذري مع مفهوم الوطنية كما انه سيودي باية امكانية لبناء مشروع وطني سياسياً و اجتماعياً.
سنتابع في مقالة لاحقة العلاقة بين الدولة و التسييس و التنمية..
اوراق مؤتمر ستوكهولم ..(2) عبادي الصالحون...
اوراق مؤتمر ستوكهولم ..(1) ملاحظات اولية...
* اكاديمي عراقي - الدنمارك