| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 11 / 8 / 2025 د. أكرم هواس كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
غزة… "ما بعد التاريخ"
(2)د. اكرم هواس *
(موقع الناس)
نعم… اصبحنا جميعا جزء من المشروع … الأفراد و الجماعات و المنظمات و الدول ..لا استثناء … المخرج و المنتج و الممثلون و الجمهور… الممولون و التجار و الرابحون و الخاسرون … المشجعون و الكارهون… الضاحكون و الباكون … هكذا كلنا.. شئنا ام أبينا .. فنحن جميعا في عالم واحد … و هذا العالم يشهد أبشع حالات الموت من الجوع … ليس بسبب الفقر و الكوارث الطبيعية … بل بسبب سياسات و خطط و أنظمة "تحترم نفسها" و اخرى تتعالى في الكلام عن "سيادتها"… ووو… و الحديث هنا ليس عن المشروع الكوني لاعادة بناء العالم بشكل عام .. لكني أتحدث بشكل خاص عن مشروع غزة بالذات ..(و ما يحدث في السودان و مناطق اخرى في العالم لا يختلف كثيراً في طبيعتها لكن ربما الاخراج و الصورة الذهنية Imagery فحسب.. سنتابع)..
عندما عرض الرئيس ترامب على مصر و الأردن استقبال اهل غزة فان ذلك لم يكن اعتباطيا .. فهو .. الرئيس ترامب و معاونيه و رئيس وزراء إسرائيل و كل القائمين على المشروع يعرفون جيدا ان لا دولة عربية و خاصة دول الجوار يمكن ان تقبل بهذا الأمر … و لذلك فان الرفض العربي سيستخدم عاملا حاسما في إغلاق غزة و حصارها ..
و التوظيف العربي في إغلاق كل منافذ الحياة لاهل غزة هو احد العناصر المهمة في نمذجة غزة .. اي السؤال الجوهري : لماذا غزة..؟؟..
منهجباً فان هناك العديد من العوامل التي على اساسها يتم اختيار نموذج البحث في الدراسات السوسيو- انثروبولوجية…. لكن عادة فان الاختيار يقع على النماذج التي يمكن ان توفر اكبر عدد من النتائج .. لكي يمكن ان يعتمد عليها في رسم مسار اكثر تصديقاً للتطور الاجتماعي ..
قديماً كانت النماذج الدراسية تستخدم المجموعات البشرية المنعزلة حيث كان الهدف هو فهم مسار التطور السابق لمرحلة المدنية .. اما الان و حيث ان المجتمعات تجتاز مرحلة ما بعد المدنية post-Modernity .. فان النماذج يتم اختيارها على اساس اكثرها احتواءً للتناقضات و للعناصر الكامنة لكل الصراعات الاجتماعية و الثقافية و السياسية و الاقتصادية .. لكن يبقى سؤال كيفية حصر هذه المجموعة البشرية في اطار جغرافي منعزل…؟؟....
هنا تبرز غزة كنموذج شبه متكامل … غزة غنية بكل عوامل الصراع و التناقضات … غزة تقع في محيط غني جدا اقتصاديا و غني جدا بافكار و تراث قديم و متفاعل للتضامن القومي و الديني و العرقي .. غزة غنية جدا بالكثير من العوامل المؤسسة للصراعات السياسية و الاجتماعية … غزة غنية جدا بالفكر و الثقافة و استراتجيات الخروج من الأزمة و بناء الذات و تحقيق التقدم .. المشاريع و الرؤى السياسية و التنموية و هكذا …
و لذلك فعندما يتم عزلها و خنقها و منع المحيط من التضامن مع اهلها و تقديم المساعدة لها فان ذلك يضمن خلق تقاطعات رهيبة للصراع .. دعنا نتذكر هنا ان احد اهم اركان نظريات ما بعد المدنية هو الاحباط Frustration و التغريب Alienation الذي يصيب بعض المجوعات البشرية و خاصة الشباب بسبب عدم التوافق بين الرؤى السياسية و الواقع .. و بالتالي الاحساس بالحرمان و الانعزال رغم المستوى العالي الذي يوفره المحيط العام في المجتمعات "الغربية بشكل خاص".. للتمتع بالحرية و تحقيق النجاحات التقليدية في الاقتصاد و السياسية و الثقافة و الرياضة و هكذا … لكن رغم ذلك يحصل هناك في النهاية ما يمكن ان نسميه التشظي المتفاعل Proactive Dichotomization في مفهوم الهوية و الانتماء .. و المتفاعل هنا معناه عدم الانعزال و الاكتفاء بالذات و انما الانعزال المؤثر حيث تتعدد محاولات قطع مسار التطور الاجتماعي عن طريق الاحتجاجات و نشر ثقافة اللامبالاة او حتى الإنتحار الفردي او الجماعي ..الخ..
مجموعة هذه العوامل يمكن ان توفره الان ظروف غزة حيث الانعزال و الحرمان القاسي جدا يتم سلخه من محيط عام يزخر بكل الامكانات المادية و الثقافية الضامنة للحياة الحرة .. منهجيا يمكن القول بان هذه الظروف القاسية … العزل و الحرمان و الجوع .. الخ… توفر افضل الاسس العلمية لدراسة تغيير السلوك الفردي و الجماعي الذي قد يتمظهر من خلال العنف و فقدان الثقة بالآخر ونزوح فكرة الجماعية Collectivity و هيمنة الفردية Ultra Individualism بل و حتى التشظي الذاتي Self-Eroding و هذه هي اهم مؤشرات اعادة الانسان إلى مرحلة ما قبل الغابة … (سبق و ان كتبت عن الموضوع في كتابات سابقة و سأواصل)…
لكن هنا… دعنا نتذكر انه في مرحلة الغابة برز عنصران مهمان .. و هما اولاً ايجاد الهدف من التفاعل مع المحيط .. اي الحصول على الغذاء و ممارسة الجنس.. و ثانيا.. خلق بوادر اولية لفكرة الجماعة (التعاون في مواجهة حيوان كبير و الاحتماء من الكوارث الطبيعية … الخ..) …اما مرحلة ما قبل الغابة Pre-Jungle Man فان هذه العنصرين لم يكونا قيد التبلور بعد و لذلك فان الصراع الفوضوي … الكل ضد الكل… كان هو الأعم .. و هذا هو بالضبط الهدف الرئيسي للدراسة في مشروع غزة ..
قبل سنتين كتبت شيئا يشبه المشهد العام في غزة… "الحرائق تزداد هنا و هناك … في الارض و في الفضاء.. في الغابات و المدن .. في البيوت و الشوارع .. في داخل الانسان و عقله… و في جسد الإنسان و ما يهوى .. و ما يؤمن به و ما لا يؤمن … فكرة اللاعدالة اصبحت هي الطاغية … الانتقام لم يعد قضية شخصية .. و الانتصار لم يعد يعني ازالة الظلم… الوجود بقيمه و تجاربه اصبح هو الاشكالية الاولى … و المدنية و الاستقرار المجتمعي اصبحت هي التحدي الذي يثير غريزة كل القادرين على "الفعل.. او .. المغامرة"..!!..
في المقالة القادمة سنتحدث عن الدول و القوى الفاعلة .. هل هناك من يستطيع ان يوقف المشروع و يحرر اهل غزة من هذه التجربة الرهيبة …؟؟…. حبي للجميع
* اكاديمي عراقي - الدنمارك