| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

يوسف أبو الفوز 
haddad.yousif@yahoo.com

 

 

 

                                                                                الأثنين 13/8/ 2012

 

وأدُ الحلم المدني في العراق !

يوسف ابو الفوز

لطالما حلم العراقيون بدولة مدنية ، تفصل الدين عن الدولة ، ويكون الاساس في بناء هذه الدولة الحديثة هو المواطنة، فاوربا لم تخط خطواتها في الحضارة والتمدن والتطور، الا بعد ان انجزت هذه الخطوة التي لا يوجد  فيها اجحاف للاديان بل تكون حرية الفرد مكفولة بما في ذلك معتقده الديني ، فالدولة المدنية ، دولة المؤسسات والقانون ، تضمن حقوق المواطن المتدين من اي دين كان . والدولة المدنية في دستورها تعبر عن المجتمع وتكون وكيلا عنه ، تستند الى قيمه ومبادئه ، وفيها يختار الشعب بشكل ديمقراطي حكامه وممثليه ، فهو يملك امكانية محاسبتهم وعزلهم ان اراد ، وبهذا التعريف الشائع والمتفق عليه من قبل الكثير من المفكرين والباحثين ، فأن الدولة المدنية هنا ستلبي جميع تطلعات الاتجاهات الدينية وخصوصا الاسلامية . أما ما يثار الان من نقاش في البرلمان العراقي ، حول المحكمة الاتحادية  ، التي يفترض ان تكون هيئة مستقلة ،  ومحاولة ربط قراراتها بموافقات المراجع الدينية الاسلامية ومنحهم حق الفيتو، فهذا سيكون وأدُا وقتلا مباشرا للحلم العراقي بالدولة المدنية ، بل وببساطة سيحول العراق الى  دولة دينية ، وبالتحديد اسلامية ، والعراق معروف بالتنوع الديني والطائفي !

مع تصاعد الدعوات للدولة المدنية  في العراق ، من بعد سقوط نظام صدام حسين الشمولي ، راحت احزاب الاسلام السياسي عندنا تروّج ، وعن دراية وتقصد ، بكون العلمانية تعني الالحاد ، والعلمانية (Secularism) كما  صار معروفا لكل مبتديء بالسياسة هو ببساطة فصل الدين عن السياسة وليس لها اي علاقة بالالحاد (atheism) الذي هو مدرسة فكرية مختلفة . والعلمانية ايضا تعني عدم قيام الحكومة أو الدولة بإجبار أي مواطن على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب غير موضوعية وان لا يكون للمؤسسات الدينية تأثير ما على القرارات السياسية ، كما ان العلمانية لا تقف ضد الدين كشعائر ومعتقد روحي ، بل تقف بشكل محايد ، وامامنا عقود طويلة من التجربة المعاشة  في الدول الاوربية وامريكا ، حيث لا تفهم هناك العلمانية بأنها ضد المسيحية ، الدين السائد عندهم ، بل هي طريقة للحكم ، مستقلة عن الدين ولا تفرض  قيودا بل تهتم بالحياة والتطور وفق القوانين الدنيوية . لقد ظهرت الدعوات للدولة العلمانية في اوربا في اواسط القرن الثامن عشر ، في فرنسا تحديدا  ، وانتقلت هذه  المفاهيم إلى الشرق في نهاية القرن التاسع عشر ، لكن اوربا نجحت في بناء دولتها المدنية ونجحت في قطع اشواط طويلة من التطور والتقدم بينما ظل الشرق غارقا في اشكال مختلفة من نماذج الحكومات والدول الشمولية التي لم تفعل شيئا لتطور مجتمعاتها بل حولتها الى مجتمعات تابعة ومستهلكة لما ينتجه الغرب العلماني والمتطور. واذ ان مدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وحياة المجتمع ، فأن  الدولة الدينية هي بشكل اخر تعني دولة شمولية ، ولا تتفق مع  المباديء الديمقراطية ، وسيحدث عندها كما في تجارب عرفتها شعوب المنطقة ، مثل ايران وافغانستان ، حيث مصادرة حقوق المواطن بأسم الشريعة والدين ، وبناء نموذج حكم شمولي لا يختلف في الاليات عن نموذج الدولة القومية المتسلطة ـ دولة صدام حسين مثلا ـ ، حيث سيتم ادلجة حياة المجتمع بأسم الدين وفقا لاجتهادات رجالات الدين وتفسيراتهم ورجالات الدولة المرتبطين والتابعين لهم !

ان كل المفكرين والمثقفين يعرفون بان نقيض الدولة الشمولية هو الدولة الديمقراطية والتي تعني الدولة غير الأيديولوجية ،  دولة القانون والمؤسسات ، وهذه لا يمكن ان يوجد الا في دولة مدنية لا يحكمها رجال الدين بأي شكل كان ، فلو تم اقرار قانون المحكمة الاتحادية بالشكل الذي تريده جماعات الاسلام السياسي في العراق، فهذا يعني ان العراق سيتحول الى جامع كبير ، كما هو ايران ، فالدين هنا سيتحول بيد الدولة الى سوط تجلد بها المواطن العراقي ، وفي بال كل عراقي ما يعانيه المواطن الايراني والافغاني من تعسف االسلطات الدينية هناك ، التي تتدخل في ابسط تفاصيل حياة الانسان ، حيث لا وجود للحرية الشخصية ، ولا لحرية التعبير ، ولا وجود للقوانين التي يمكن ان تحفظ للانسان كرامته ، ففقط في الدولة المدنية يمكن للدين ان يكون ملاذا روحيا للانسان  تنظمه اعراف وقوانين الدولة المدنية التي تحفظ حقوق الانسان ومنها حقه في ممارسة شعائره الدينية بعيدا عن تدخلات السياسة والسياسيين !

 

عن المدى البغدادية  / العدد (2565) الاثنين 13/08/2012
 



 

 

free web counter