د. علي الأسدي
السبت 7/3/ 2009
أراء حول مقال : ماذا تبقى من حزب فهد ؟
المنشور في الحوار المتمدن في 6 / 3 /2009علي الأسدي
ما الذي تبقى من حزب فهد ؟
سؤال أطلقه السيد شاكر الناصري على مجموعة واسعة من المهتمين بالحزب الشيوعي حددهم بالآتي :
“الناشطين والفاعلين في الحركة الشيوعية في العراق بمختلف انتماءاتهم الحزبية وتوجهاتهم الفكرية والسياسية. على الذين اختلفوا مع هذا الحزب او الذين يواصلون عملهم ونشاطهم الحزبي من خلاله وتحت إطاره الفكري والتنظيمي . على الذين يواصلون ممارسة التنظير الفكري والتنظيمي الشيوعي في العراق " ولم يستثني الشيوعيين في العالم العربي.
وبدلا من أن يجيب مباشرة على سؤاله هو الذي جعله موضوعا لمقالته قاد القراء والمهتمين بالشأن الشيوعي في رحلة عبر سبعة عقود من تاريخ الحزب لم يتطرق فيها إلى أي حدث إيجابي مع أن الحزب قد سجل خلالها تغييرات بنيوية اقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية عميقة في واقع العراق لم يشهد تاريخ العراق لها مثيلا ولا تاريخ أي قطر في العالم العربي.
لقد تحدث الناصري عن الحزب الشيوعي لا كناقد محايد أو حريص ، وإنما كحاكم خوّل نفسه إصدار الأحكام والتحدث كما يشتهي لا كما تشهد به وقائع التاريخ بل كما يريده أعداء الحزب والحركة الوطنية العراقية وهذا ما يثير أسفي.
هذا مقتطف مما جاء في مقالته عن الحزب حيث قال نصا :-
" غرق في ممارسات هي أبعد ما تكون عن الوعي بما يعنيه الانجرار خلف وهم التحالفات مع الخصوم والاعداء الطبقيين ونسيان المبادىء الاساسية للشيوعية والغرق في بحر الهيجانات الشعبية التي ساعد في أشعال فتيلها من أجل الدفاع عن نظام حكم وجد أنه حكما وطنيا ولم يتردد ، أي الحزب الشيوعي العراقي، من ممارسة كل ما يمكنه من أقصاء وتهميش القوى الأخرى التي تقف في خندق مختلف عن خندقه ( الفترة من تموز 1958 الى 8 شباط 1963 التي تعد نموذجا صارخا على الممارسات الخاطئة التي افقدت الحزب الشيوعي الكثير من مكانته السياسية والاجتماعية وستبقى هذه الفترة بحاجة الى مراجعة فكرية وسياسية ،جادة وناقدة ، لمعرفة ماحصل وكيف جرت الامور بالصورة التي تمت آنذاك). أنتهى ما صرح به الناصري.
لا أدري من أي قصاصات اقتبس هذا النثر الرديء المعبر عن جحود لا سقف له ولا قاع وبلهجة اقصائية وتهكمية لا تتناسب وموقعه في هيئة تحرير أهم المواقع التقدمية صوتا في العالم العربي. إنا لا ألومه على عدم إلمامه بتاريخ الحزب في تلك الفترة التي تحدث عنها والتي وضعها بين قويسات ليلفت إليها الأنظار وليرسخها في ذاكرة القراء المغفلين. فهو لم يعش تلك الفترة العصيبة من تاريخ العراق ، المليئة بالصراعات والمعارك الشرسة مع الرجعية بكل أشكالها وألوانها ، لأنه ببساطة لم يكن قد ولد بعد ، و لا ألومه لهذا السبب على ترديد مقولات أشاعتها تلك القوى السوداء الحاقدة على منجزات الحزب في تلك الفترة و في أيامنا هذه. وأستغرب أن يكرس السيد الناصري قلمه لتجريد الحزب الشيوعي من وطنيته وما قدمه لشعبه خلال السبعين عاما الماضية الذي عجز كل أعدائه من النيل منها ، ولا أريد الإسهاب في تلك المنجزات التي أرتبطت بثورة تموز بشكل خاص ، لكنها كانت جزء حيويا من برنامج الحزب وثمرة نضاله.
و ما يثير الألم والحيرة أن يتبنى حزبيون سابقون حملة التهجم على وطنية الحزب بنفس الزخم والعداء الذي استخدمته المخابرت الأجنبية والرجعيات العراقية والعربية. ولا يمكن القبول بالتبريرات التي ترى في ذلك الحط من مكانة الحزب خدمة للشعب ودفاعا عن المبادئ الأصيلة التي تنكر لها الحزب . ومما يحز في النفس أيضا ، أن ينظم إلى جوقة التشهير بالحزب العراقي الذي بدأ وطنيا أصيلا قبل أن يتبنى أفكار الشيوعية مدعون بالماركسية من أحزاب وجماعات من بلدان عربية ، وهو أمر غريب في تاريخ العلاقات بين الأحزاب الشيوعية العربية.
فالسيد عديد نصار مثالا ، معبر بارع عن أولئك المتلذذين بعذابات الشيوعيين العراقيين وأصدقائهم الخلص ، فهو يقول معلقا على ما جاء في مقال الناصري :
" أسمح لي أن أناديك ب – الرفيق – واحييك تحية رفاقية طيبة ". ويواصل قائلا :
" لقد عبرت بطريقتك عمّا كتبته مرارا و تكرارا في هذا الموقع و في أماكن عديدة أخرى . فما يسمى اليوم ب- الحزب الشيوعي العراقي - لم يعد حزب فهد و رفاقه، بل جماعة من الانتهازيين يستغلون تارخ الحزب و نضالات أبطاله ليغطوا على واقعهم المرتبط ب- العملية السياسية - التي ينفذها الاحتلال الامبريالي في العراق."
ولا ينسى القارئ أن ذلك الماركسي لم يستثني أي فرد في ذلك الحزب سواء كانوا أعضاء في القيادة أو أعضاء عاديين أو جماهير متعاطفة معه ، فقد وصفهم بالانتهازية المستغلين لتاريخ الحزب ، ولم يحدد لا هو ولا الناصري فردا ما في قيادة الحزب أو جماهيره الملتفة حوله والمرتبطة مصيريا به.
لقد كتب السيد نصار ما كتب متهجما على وطنية الحزب الشيوعي العراقي ، وكان واضحا أن كتاباته تلتقي مع مروّجي الفكر الظلامي وأهدافهم وهو ما يثير تساؤلي ، كيف لماركسي أن يلتقي مع الرجعية في حملتها ضد حزب شقيق لماركسيي بلاده لبنان؟
كان السيد نصار وما يزال يرى روح المقاومة الوطنية ضد الاحتلال في الجماعات التي تحرق الناس أحياء في ملاعب الأطفال والمدارس والساحات والأسواق وبيوت العبادة والشوارع المكتظة في أحياء الكادحين وكان بينهم أعضاء وأصدقاء للشيوعيين. ولم يخطأ قلمه يوما ليستنكر النشاطات الإرهابية التي عملت على بذر بذور الشقاق بين مكونات شعبنا لجرها إلى حرب طائفية لأنه يعتبرها مقاومة للاحتلال. وإذا كانت تلك الأعمال الشريرة مقاومة وطنية فلماذا لم يتطوع للمشاركة في تحرير العراق من الاحتلال ليسد بعض الدين لرفاقه العراقيين الذين تطوعوا بالمئات للدفاع عن بيروت إبان الاحتلال الفاشي الإسرائيلي؟
وقبل أن أعود إلى مقالة الناصري أرجو السيد نصار أن يبين للقراء الأعزاء مقارنة موجزة تبين الفرق بين وطنية حكومة السيد نوري المالكي العميلة للمحتل كما يرى ووطنية حكومة السيد فؤاد السنيورة غير العميلة للأمريكان.
يستطرد السيد الناصري في إيجاد المبررات لتحميل الحزب تبعات كل ما هو سلبي في الأحداث السياسية التي مر بها حتى اليوم ، ولم يحاول ان يكون منصفا أبدا في محاولاته لاستعراض تلك الأحداث ، مما يدل على إصرار مسبق للنيل من الحزب سواء كان ذلك قبل الاحتلال او بعده. وشكلت مشاركة الحزب في العملية السياسية في رأيه إثما لا يغتفر ، وأصبح هذا الإثم بالنسبة له حدا فاصلا بين الجنة والنار ، وكأن علم السياسة الذي تعمل به كل حكومات العالم والقوى السياسية في كل مكان جريمة في كل المقاييس. ومثل هذا السلوك لا يعمل في ظروفنا السياسية الحالية ولا في أي ظروف ، وهو يعرف أننا لسنا وحدنا من يحدث التغيير المطلوب بل هناك قوى أخرى تحاول منعنا او حرفنا عن تحقيق أهدافنا ويظل ذلك مرهونا بموازين القوى المحلية والعالمية التي تقرر في نهاية المطاف فيما إذا سنتحصل أو لا نتحصل على كل ما نهوى.
يتقمص السيد الناصري رداء الحمل الوديع بقوله : إن تاريخ ومسيرة الحزب الشيوعي العراقي ، بحاجة الى وقفات فاحصة ومتأنية سيكون أول المستفيدين منها الحزب الشيوعي العراقي نفسه ، بكوادره وقواعده الحزبية ومحيطه الاجتماعي، حيث يتمكن من خلالها من أعادة تقويم أوضاعه السياسية والتنظيمية. قوله هذا لا يتناسب حتى مع عنوان مقاله : ماذا تبقى من حزب فهد ؟
وعلى غير عادته ، يسمح لنفسه بدعوة كل من هب ودب لمشاركته في نهش الحزب وكأن ما أحدثه من جراح لم يكن كافيا للإجهاز على ما تبقى من حزب فهد. يقول ببطاقة دعوته السخية:
" سأكتفي بموقف الحزب من موضوعة الاحتلال الأمريكي للعراق على أمل ان يتمكن كل من يرغب في معالجة ومراجعة مراحل من تاريخ هذا الحزب وممارساته السياسية أن يشارك بالبحث والدراسة والتقويم للمواضيع المهمة الاخرى. ، كموضوع التحالف مع حزب البعث في ما يسمى بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية وما اسفر عنها من مأسي وكارثة حقيقية حلت بالحزب المذكور وبعموم الشعب العراقي ، التحالفات مع الاحزاب القومية الكردية وحرب الأنصار، او تحالفاته مع أحزاب الاسلام السياسي كالدعوة والمجلس الاعلى للثورة الاسلامية ومنظمة العمل الاسلامي في عام 1999 . دوره ومكانته الحالية والمستقبلية. تجاهل الحزب الشيوعي العراقي للنداءات والدعوات التي أطلقها الكثير من العراقيين من أجل أيجاد اليات عمل مشترك بين القوى اليسارية والشيوعية والماركسية تساهم في مواجهة مد التيارات القومية والاسلامية والدفاع عن قيم المدنية والتحرر في المجتمع العراقي.
إن الكابوس الذي لم يفارقه في نومه و يقظته هو الاحتلال ، ولا يستطيع ان يكتب كلمة واحدة عن مآثر الحزب ، وكأن ذلك الحزب قد وجد لارتكاب الأخطاء ولم يصلح خلال تاريخه الذي امتد لسبعة عقود أي خطأ أو حقق أي مكاسب لشعبه. ولعلم السيد الناصري انه الحزب الوحيد في التاريخ العراقي وربما في المنطقة العربية الذي كانت له الجرأة في نقد نفسه عندما أخطأ ، وأعلن ذلك على الهواء دون خشية او شعور بالذنب. ليس من قوة حكومية او سياسية عادت الحزب الشيوعي ونجحت في إقصائه عن مكانته الطبيعية في صفوف الشعب أو أوقفت نشاطه بين الجماهير ، أو منعت فكره التقدمي والإنساني من الوصول إلى عقول وضمير الناس ، هذا عدا القدرات التنظيمية التي أذهلت الخصوم والجلادين والخبراء الأمنيين قبل الأصدقاء.
إن السيد الناصري يبحث عن حزب لا يخطا وهو لا شك يعلم أنه ما من حزب يعمل إلا ويخطأ ، وكأنه أراد حزبا مصمما ومسلحا وقادرا على الخروج من كل معاركه سليما معافى بصرف النظر عن قوة الأطراف الأخرى التي تنافسه أو تناصبه العداء ولا تتردد في استئصاله وهو شاهد على ذلك. إن حزبا مثل هذا الذي يريده الناصري لم يخلق بعد ، وإذا كان هو او غيره ينتظرون حزبا بهذه المواصفات فعليهم أن يكفوا عن إضاعة الوقت. إن الأخطاء والمساومات والانتكاسات هي الطريق الطبيعي للعمل السياسي وتحقيق المكاسب ، ولا أنفي حدوث أخطاء في هذه أو تلك الفترة السياسية من حياة الحزب الشيوعي كانت بعضها جسيمة. لكن لا يمكن تحميل الحزب الشيوعي لوحده المسئولية الكاملة عنها ، فالأطراف السياسية في الظرف السياسي المعين تتحمل هي قسطها في ذلك ، وقد أشار هو إلى هذا فأوقع نفسه في تناقض صارخ بين موقفه من ممارسات الحزب وسياساته وتحميله كامل المسئولية في ما حصل في السابق ، وما ذكره لاحقا حيث قال :
من المؤكد ان الحديث عن الحزب الشيوعي العراقي لا يمكن ان يُجرد من العوامل والظروف التاريخية والعلاقات الدولية وصراع الاقطاب خلال مراحل الحرب الباردة وموازين القوى التي كانت سائدة في ذلك الحين والتي تغيرت كثيرا ما بين تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في ثلاثينيات القرن الماضي وبين واقعه الآن ، ولم تكن تأثيراتها محصورة على الحزب الشيوعي العراقي وحده فقط ، بل أثرت وبشكل كبير على مسار الحركة العمالية والشيوعية في العالم.
ويعود الناصري إلى كابوسه مرة أخرى ، فكما ذكرت أن كابوس الاحتلال حاضر معه في نومه ويقظته ، إذ يقول:
بلا شك ان وجود حزب شيوعي في العراق يعد من الإنجازات التاريخية الكبرى لما يمتلكه من تأريخ نضال ومشروعية في مواجهة قوى الاستغلال والظلم الاجتماعي والطبقي التي كانت نافذة ومتسلطة منذ ذلك الحين وحتى هذه اللحظة ،فاين ما وجد الظلم والاضطهاد الطبقي واستغلال قوى العمل كانت الشيوعية ممثلة بحزبها وناشطيها حاضرة وفاعلة . وأين ما وجدت الدكتاتورية والتسلط الفاشي فإن الشيوعيين سيكونوا أول من يتصدى لها ولنهجها وعداءها لحرية وكرامة الانسان ، وحينما تتعرض البلاد الى حرب وأحتلال فان الشيوعيين يجب أن يكونوا في مقدمة من يتصدى لهمجية الحروب وآثارها الكارثية.
وحتى يصل بنا إلى بيت القصيد وبعد أن اختار المبرر بعناية تصور ان الوقت قد حان لإعلان موت حزب فهد فيقول :
أن المعطيات التي افرزتها مسيرة الحزب الشيوعي العراقي خلال العقود الماضية وما يواجهه الآن تكشف لنا الاجابة على سؤالنا ، لم يتبقى من حزب فهد شيئا ، فما بقي هو حزب يتشبث بتاريخ ماضوي وبسجلات مليئة بالضحايا والشهداء.
يا خسارة ؛؛ حتى الدكاكين لا تغلق هكذا بمجرد صفقة خاسرة ، أما أن تعلن عن نهاية حزب بذلك التاريخ الحافل فأمر لا يطرأ على بال مواطن بسيط ، فكيف بمثقف يدّعي الماركسية؟
لا يسع المطلع على إنجازات الحزب خلال مسيرته الطويلة والشاقة في ظل أنظمة القهر والقسوة والموت إلا وينحني إجلالا لذلك الحزب بصرف النظر عن من قاده خلال تلك السنين ، ويبّجل أولئك الذين ناضلوا في صفوفه وضحوا من أجل تحقيق أهدافه الوطنية التي عبرت عن هموم ومصالح شعبه من دون تمييز.
مع أملي ان يكون صدر الأخ الناصري رحبا لتقبل نقدي.
البصرة / 6 / 3 / 2008