| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. علي الأسدي

 

 

 

الأحد 5/4/ 2009

 

الحزب الشيوعي العراقي.. وفتوى انقلاب القيم في فقه .. " ميثم الجنابي."..؛؛

علي الأسدي

تعقيبا على مقاله " الراديكالية الشيوعية والبعثية العراقية وانقلاب القيم "
يحتار المواطن العراقي في أمر بعض أعضاء الحزب الشيوعي العراقي السابقين ، وبينهم حملة شهادات عالية وألقاب علمية ممن يتنكرون اليوم لذلك الحزب الذي علمهم أولى دروس الوطنية في حب الشعب والدفاع عن أمانيه. أولئك المتعالون الناكرون للفضل ، كان عليهم أن يأخذوا العبرة من القول المأثور " من علمك حرفا ملكك عبدا" ، وأن يخجلوا من اصطفافهم مع التكفيريين وأعداء الحياة في حملة التهريج والتشويه ضد الشيوعية والحزب الشيوعي التي يتبرك بها هذه الأيام نكرات من أمثال قاسم الموسوي الذي استطابوا البحث في مزابل التاريخ عن الجيف.

قبل البدء في الرد على السيد ميثم الجنابي في مقالته " الراديكالية الشيوعية والبعثية العراقية وانقلاب القيم " المنشورة في الحوار المتمدن العدد 2606 ، عرجت على موقعه في الحوار المتمدن لألم ببعض كتاباته ودرجاته العلمية ونشاطه المهني ، إذ لم أقرأ له سابقا ولم أعرف عن خلفيته الفكرية. لقد علمت انه يمارس تدريس العلوم الإسلامية في جامعة موسكو ، وصدرت له عدة كتب عن دور نشر في السعودية عن الإسلام والمسلمين ، ولا أعرف من أي منظور تناول دراسة الإسلام بحيث تبنت دار الملك فيصل في السعودية نشرها ، هل من المنظور الوهابي وبقية المذاهب السنية أو من منظور المذهب الشيعي الذي ينتمي إليه. لكن هذا الأمر لا يثير اهتمامي حتى ولو اعتبر الوهابية دينا فهذا ليس من شأني أو شأن أي إنسان آخر، أما سؤالي ، فهو كيف لأستاذ بمستواه له هذا السجل الحافل في التدريس والـتأليف والكتابة أن يخرج على القارئ العراقي بمثل ما كتبه أخيرا في الحوار المتمدن؟

لو كان كتب مقاله باسم مستعار لوفر لي ولغيري الوقت لقراءة مقالات أخرى أكثر فائدة تزخر بها صحيفة الحوار المتمدن ، لكن الذي أغراني بقراءة مقالته هو أستاذيته الرفيعة التي لا أشك انه حاز عليها باستحقاق. ولا أريد أن أتصور أن يقوم أستاذ بمرتبته بإلقاء محاضرة بهذا المستوى على طلبة جامعيين ، حتى لو كانوا من مواطني دول أسيا الوسطى. أين العلم والمعرفة والفلسفة من هذا التنظير غير المتوازن وغير المقبول أخلاقيا في العرف الجامعي والبحث الأكاديمي؟. أيمكن لأستاذ جامعي من أي جامعة محترمة في أوربا أو أمريكا أن يقوم بإلقاء محاضرة على طلابه بمثل مقال السيد الجنابي ولا يرموه خارج القاعة مودعا بالزجاجات الفارغة وأعقاب السيكاير.

إن المقالة مكرسة لإسقاط الحزب الشيوعي العراقي من التاريخ ، وهي أمنية لا الكاتب ولا غيره قادر عليها ، وقد حاول آخرون قبله أطول باعا في الشتيمة والتزوير، لكنهم انتهوا فيما بقي الحزب. إن الحجج وراء إعلان موت الحزب هو الانتخابات الفرعية الأخيرة وحصوله فيها على أقل من 1% من أصوات الناخبين ، وما الجريمة في ذلك يا أستاذنا ؟ ألم تحاول دراسة الخريطة السياسية في العراق ، ألم تأخذ في الاعتبار التدخل ومحاولات التزوير وقانون الانتخابات الذي يحابي القوائم الكبرى؟ ألم تعلم وأنت المختص بالعلوم الإسلامية بدور الدين والمذهب والعشائرية في المجتمع العراقي؟

إن نتيجة الانتخابات الأخيرة ليست نهاية العالم ، وإن الممارسة الديمقراطية الأخيرة بصرف النظر عن كل ما رافقها من سلبيات هي خطوة في الطريق الصحيح ، وقد أشاد بها كثيرون باعتبارها واحدة من أهم المكاسب بعد هزيمة الديكتاتورية. ليس الحزب الشيوعي العراقي الوحيد الذي تخذله أصوات الناخبين في التاريخ ، فالحزب الشيوعي الفرنسي والإيطالي والإسباني والبرتغالي كانت حصيلتهم في الانتخابات خلال العشرين عاما الماضية ضعيفة هي الأخرى ، بعد أن كانت قوة ثالثة بين الأحزاب السياسية الكبرى فهل تحولت إلى أطلال خربة؟

يقول الجنابي نصا " أن الحزب تحول إلى هيئة هلامية قابلة لكل الصور من قبول " الإمبريالية الأمريكية " والتحالف معها ، إلى الاندراج في قوائم ( شيعية ) وقومية صغيرة "كردية " وتابع للبعثيين الجدد (علاوي ) وأخيرا إلى ذيل صغير لقوى قومية عرقية صغرى ( كما جرى في انتمائه لقائمة " التآخي " في الموصل). بمعنى فقدانه لبوصلة الوطنية العراقية والقومية العربية. والرؤية الاجتماعية وهو فقدان عريق كان في أكثر جوانبه الوجه الآخر لحزب البعث. بحيث جعل منه في نهاية المطاف حزب الأقليات القومية والعرقية ".

إن ما يطالب به السيد الجنابي دكانا وليس حزبا وهو ما ينطبق عليه المثل الشعبي " كسرة خبز لا تاكل بس أكل لما تشبع " .

ما هو القصور في أن يكون الحزب الشيوعي حزبا للمكونات العراقية؟ هل تريد للحزب أن يتحول إلى حزب قومي؟ إن أهم ما يميز الحزب الشيوعي العراقي عن الأحزاب الأخرى كونه حزب الشعب العراقي كله ، وهو دليل ناصع على عراقيته وعراقته التي ينكرها عليه آخر الزمن تلامذته السابقون. فمخيلة الجنابي ذهبت بعيدا في فنطازيتها عن حزب لا عراقية فيه ، فيرى في الحزب الشيوعي " بقايا ديناصورية مندثرة ضخمة العظام " هيبتها أمام عيون الأطفال ومراهقي التفكير السياسي ". إن الغلو يا جنابي ليس من شيم رجال العلم المنصفين والعقلانيين ، وإن تلك الأوصاف التي تحاول إلصاقها بالحزب الشيوعي العراقي هي بالضبط من أفكار الأطفال ومراهقي التفكير السياسي ، ولعلم السيد الجنابي أن جل مراهقي التفكير السياسي هم ممن يتصورون أن الشهادات الدراسية تخول حملتها للبوح بهذا الهراء الذي لا معنى له .

إن الجنابي قد اكتشف من خلال منظوره الإسلامي أن " الانحدار السياسي للحزب وتحوله إلى كيان من الماضي ، لابتعاده عن منطق الرؤية الواقعية والعقلانية تجاه الإشكاليات التي يواجهها العراق من خلال الانتماء إلى مكوناته الفعلية وبالأخص القومية العربية ". فالحزب الشيوعي في رأيه قد ابتعد عن القومية العربية من خلال تحالفه مع حركات قومية عرقية صغيرة في الموصل وهذا في حكمه كفر وضلال ، وهو يعرف أن الحزب قد دخل في تحالف في الوسط والجنوب العربي ( موطن قوميته العربية ) مع قوى سياسية عربية 100 % ، كما دخل منفردا لوحده بقائمة تضم ممثلي كل كيانات العراق بأكثرية عربية ، فأين الإشكالية في ذلك؟

ويمضي الأستاذ الجامعي في العلوم الإسلامية في تحامله غير المبرر على الشيوعيين والشيوعية الذي نهل منها حتى الثمالة ولفظها عندما شبع وارتوى فيقول :

"إذا كانت التقاليد الراديكالية الأوربية هي النتاج الوجداني المتناثر على طريق العقلانية العريقة والرأسمالية الأشد تنظيما، فإنها في ظروف العراق المتخلفة لم يكن بإمكانها أن تكون أكثر من نزوع إرادي عادي، عادة ما يلازم الذهنية المتطفلة على مظاهر المعرفة. من هنا تحولها إلى مرتع للجهلة وأنصاف المتعلمين، الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى«طبقة عاملة» و«جماهير كادحة». ولم تعني هذه الكلمات في الدعاوي الأيديولوجية للشيوعيين والبعثيين في أفضل الأحوال أكثر من مصطلحات منتقاة من قواميس التعليم الابتدائي للطلبة بدون وعي فلسفي يناسبها"

إن التضليل الإعلامي كان عاملا مهما في الترويج للفكر الظلامي الديني والقومي المتعصب من أجل كسب المعارك ضد الشيوعيين التي مارسها البعثيون ومرتزقة المخابرات الأمريكية خلال العقود السبعة الماضية ، وما استخدام اسم البعثيين هنا إلى جانب الشيوعيين إلا تعبيرا عن ذلك التضليل المفضوح لكل ذي بصيرة. إن إنصاف الطبقة العاملة والكادحين عموما كان دائما وما يزال هدف الحزب الشيوعي ، وإذا كان حزب البعث العربي قد زين شعاراته بهم فليس ذنب الشيوعيين أو شأنهم ، أنما المهم ، إن الشيوعيين كانوا قد ناضلوا بحق من أجل إنصافهم وتحملوا الكثير في سبيل ذلك ، وما استخفاف السيد الجنابي هنا إلا إيغالا في تشويه الحقيقة والقفز على الواقع والاستهانة بالضحايا.

وفي نهاية مقاله يخلط بين حزب الشيوعيين الذي بدأ كفاحه منذ ثلاثينيات القرن الماضي والبعثيين الذين حاولوا استمالة الطبقة العاملة بديماغوغيتهم التي لم تحقق أي تحسين في حياتهم. لكنه أورد قولا مهما لو كان استوعبه جيدا لما أسرف في تطاوله على الحزب الشيوعي العراقي ماضيا وحاضرا. فهو يقول :

( كان تاريخ العراق ضعيفا بمعايير التراكم النظري والعملي للأفكار السياسية ). و لو كان السيد ميثم الجنابي قد أخذ ذلك بالاعتبار، لما احتاج لكل هذا الجهد في تجميع وصياغة الطعون ضد الشيوعية ولا أقول ضد البعثية لأنه كان واضحا أن همه وهدفه هو النيل من الحزب الشيوعي العراقي.

إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية في العراق في طور التكوين ،ورغم ما بلغته من تطور مقارنة بمجتمعات أخرى أشد تخلفا ، فإن ظروفنا تظل مقارنة بما وصلته المجتمعات الأوربية من تطور اجتماعي واقتصادي تظل متواضعة جدا. وبناء على هذا كان يجب أن ينظر لواقع الطبقة العاملة ودور الرأسمالية وملاك الأرض في بنية المجتمع العراقي ومكانة وأهمية الحزب الشيوعي في كل ذلك والمصاعب التي واجهها ويواجهها حاليا.

أما ما ختم به مقالته فلم يكن إلا هوس فكري غير نافع لم يوفق به أبدا ، وللتذكير أعيده للقارئ العزيز ليحكم بنفسه على محتواه . حيث يقول :

" من هنا لم تعن كلمات الجماهير والعمال والكادحين وأمثالها في الأيديولوجيات العملية للشيوعية والقومية (البعثية) سوى الوقود التي لا تحتاج لغير شرارة «الفكرة الثورية» لكي تحترق في أتون معارك «وطن حر وشعب سعيد» أو معارك «الوحدة والحرية والاشتراكية». لهذا لم ينتج تاريخ الحرية السعيدة والوحدة الاشتراكية غير دخان الراديكالية الخانق".
 


البصرة 5 / 4 /2009


 

free web counter